Feeds:
المقالات
تعليقات

Archive for the ‘مع الله ورسوله!’ Category

بسم الله الرّحمن الرّحيم

إنّه اليوم الذي أنتظر! بسرعة أقوم لفتح شاشة المرناة لأرى وأسمع وأندهش وأندمج.. ككلّ سنة

“لبّيك اللهمّ لبّيك لبّيك لا شريك لك لبّيك إنّ الحمد والنّعمة لك والملك لا شريك لك”

أصوات الملايين تبعث في القلب رغبة الذّهاب هناك كلّ لحظة.

بهجة وعظمة الجموع التي تتدافع شوقًا للرّحمن، تحثّ الخطى وتعبر المدى لتلقي نظرة إلى السّماء فتعبق الأرواح بنور الله وجلال قربه. بين الحشود المحتشدة كلّ واحد منهم حياة.. كلّ فرد منهم مهمّ بذاته لله.. وكلّهم واحد في طاعة الله..

الله أكبر

صاعدون ساعون طائفون باكون متألقون رافعو رؤوسهم أملا.. أيّ لحظات تلك.. في قلوبنا نهرع إليهم نشاركهم ندعو ونضرع إلى الله.. حيث لا جمال ولا جلال ولا كمال إلا في وجود حضرة الله العظيم الأعظم، مدنيا منه الحبيب محمّد صلّى الله عليه وسلّم يلفّنا جميعا براية التّوحيد بين يدي الله..

فالله أكبر

هذه الحشود التي تتفجّر رونقًا، وتسيل سلاما على عرفات تؤجج القلب شوقًا إلى هناك فنذهب.. أيّها الأحبّاء طوبى لواصلي عرفات، وصاعدي عرفات.. طوبى لكلّ عرفة في الذّات تدنينا من الله ما شاء.. فالله أكبر!

***

يا الله!

اللهمّ إنّا نسألك باسمك الوتر، وبحقّ أسرار بسم الله الرحمن الرحيم أن تجعل ارتقاءنا في ذاتنا إليك رحمة منك، وشوقنا إليك وإلى نبيّك شفيعا لنا عندك لنيل عظيم مغفرتك. اللهمّ إنّا نسألك في هذا اليوم المبارك أن تحشرنا في زمرة الأتقياء المحبّين، وأن تشملنا بعظيم عفوك في الأوّلين وفي الآخرين، وأن تكرمنا بلقائك العظيم في كلّ حال عظيم. اللهمّ إنّا قد بلغنا الحجّ من بيوتنا معنى، فبلّغناه حسّا ومعنى في عامك المقبل يا اللهّ! اللهمّ وارزقنا لذيذ الحشر بين عبادك، وارفعنا درجات لنيل نفح من جمالك يا الله! اللهمّ فاستجب. آمين

وصلّ على حبيبك ونبيّك وشفيعك سيّدنا محمّد، وعلى آله وصحبه في كلّ لمحة ونفس بعدد كلّ معلوم لك يا ربّ العالمين.

 

أيّها الكون:

كلّ عام وشمائل نور الله تحلّ عليك

كلّ عام وأنتَ إلى الله أقرب!

Advertisements

Read Full Post »

بسم الله الرّحمن الرّحيم

يا الله!

اللهمّ إنّك قد شرّفتنا بحلول المغفرة وعظيم الرحمة في شهر من عظيم الشّهور وأشرفها.. وخصصتنا به عن سائر خلقك، حتّى إذا ما دنا منّا اغترفنا من كراماته، فالعتق والرزق والصدقات وعظيم الصّلوات، وأجلّ الأمسيات والحلقات قد شهدنا وبجليّ الفضل أترفنا.. اللهمّ فأتمم علينا هذه النّعمة بالرّضا والقبول، وأنعم علينا من جزيل عطائك بسعادة لا سعادة فوقها، ومحبّة لا محبّة مثلها، ومعرفة لا معرفة تستوي أمامها، اللهمّ آمين آمين آمين.

وصلّ اللهمّ على سيّدنا محمّد وعلى آله وصحبه أجمعين والحمد لله ربّ العالمين

 

أحباءنا في الله

كلّ عام وأنتم إلى الله أحبّ وأقرب

 

 

 

 

 

Read Full Post »

بسم الله الرّحمن الرّحيم

 

يغيب عن كثيرٍ منّا ذلك الحماس المتّقد في عيون أطفالنا وهم يتحمّلون الشّوق لاستقبال شهر رمضان المبارك. إنّه رغم كلّ ما يبدو عليه من صعوبة احتفال عظيم، فيه يبدأ الطّفل في ترتيب شأن عباداته إن تفرّقت، والبدء بطاعات أخرى قد لا تلزمه ولكنّه تشعره بسعادة ولذّةٍ غامرتين.. ولكن كم منّا يفطن لهذه اللهفة ويعمل إلى تصويبها كما ينبغي لها؟

اليوم، وبعد أن استقيظت من نومي رأيت أختي الصّغيرة تبحث عن ملابس الصّلاة التي كانت قد نسيتها منذ وقت محدّثة نفسها. لا أخفيكم بأنّي ابتسمت قليلا لهذا التّصرّف الطّفوليّ الجميل، لكنّي سرعان ما تركتها وغبت، وإذ بي أعود فأراها وقد تركت عنها البحث تجرّ خيبتها وراءها، مع قليل من الأمل تمشي نحو والدتي  ولسان حالها يقول: “أعتقوا حيرتي.. ساعدوني”، تسألها عن الصّلاة فتقول: لا أعرف.. تسأل أخواتي: لا يعرفن.. فجاءت تسألني: وين أواعي الصّلاة اللي جابتلي اياهم امي من القدس يا إسراء؟ يا الله بدي أصلي!تريد أن تصلّي.. وهي لا تعرف الصّلاة.. ولكنّها رغم ذلك تريد.. تنظر إليّ برجاء ألا أهملها أيضًا، أن أدعمها.. أشجّعها.. أوجّهها.. أو على الأقل: أن أجد لها ملابس الصّلاة.

حينها فقط جال لي أن أقول بصوت عالٍ .. نحن لا نتقن استغلال اللهفة في أطفالنا لتوجيههم وتربيتهم. أمّي منشغلة بتحضير قائمة الطّعام للشّهر كلّه. أخواتي منشغلات بتحضير المجلات والدورات والفعاليات والمسيرات الكشفية و.. و..و وكلّ منّا منشغل بشأنه

طيّب وأنوار؟

أنوار نموذج واحد فقط لآلاف الأطفال الذي يبدون استعداداتهم الكاملة لمشاركة رمضان حلوله، بحلولهم أيضًا، والتزامهم بعادات جديدة لم تكن فيهم، أو ربّما كانت لكنّها لم تهذّب..

كم من المرّات يقول أطفالنا: أريد أن اصلّي التّراويح. لا يعرفون ما هي التّراويح، ولكنّهم يريدون ذلك. كم طفلا قال لوالديه أريد أن أصوم؟ كم طفلا أراد ان يرافق جدّه بعد السّحور إلى المسجد؟

وهذا غيض من فيض حماس أطفالنا ورغباتهم.. لو استثمرنا من وقتنا القليل لتهذيب هذه الرغبات لكنّا اكبر كاسب.. خيرا من الالتهاء بإعداد قائمة الطعام، وترتيب المواعيد بعد المغرب للإفطار ثمّ الصّلاة ثمّ شرب القهوة ثمّ الذّهاب إلى الجامع ثمّ مشاهدة باب الحارة.. ثمّ لا أدري ماذا.. دعونا نربّي أبناءنا على تحقيق لهفتهم في استقبال رمضان بما تهوى انفسهم، وتستريح قلوبهم وقلوبنا أيضًا..

أنوار الصّغيرة اليوم يمكن أن تكون أيّ طفل آخر، فبعد أن وجدت ملابس الصّلاة صلّت الظّهر، ثمّ قرأت القرآن وسبّحت.. وها هي الآن تطير فرحا لأنّ العصر سيؤذّن عمّا قريب.. وستصلّي أيضا.. وماذا عن أطفالكم أنتم؟ هل يمكن لنا أن نرى والدين يقولان لطفلهما المشرق بسعادته لحلول رمضان: صغيري.. هل تشاركني الصّلاة، الصّوم، التّراويح، الذّهاب إلى المسجد، تقديم الزّكاة أو تلاوة القرآن؟

نأمل ذلك!

 

Read Full Post »

بسم الله الرحمن الرحيم

مع اقتراب كلّ رمضان تشيع في عوالم الاتّصال المرئيّ والمسموع ما يسمّى بالخطط الرّمضانيّة والواقع أنّ كثيرا جدا من الناس يختارون إحداها لما فيها من تعدّد في العبادات، أو ربّما لعظم من فيها من أجر، ولست أنكر على نفسي إقدامها على اختيار واحدة ممّا يصلني على البريد أو في صفحتي هذه أو حتّى في شتّى المواقع الأخرى، والواقع أنّ المسعى الذي يقدّمه طارح الخطّة أيّا كان مبارك وعظيم، ولكن يبقى السّؤال: أأنا قادر على الاستمرار في هذه الخطّة؟ على تطبيقها بشكل سديد؟

تثبت التجربة الإنسانيّة أنّ الإنسان بنفسيّته ينزع إلى كلّ ما لا يقيَّد به، ولذلك تجده يستمتع بقراءة الخطّة الرّمضانيّة ويعقد العزم على تطبيقها، ولكنّه بعد مدّة قصيرة يبدأ بالتّراجع عن بعض ما فيها حتّى لينتهي رمضان وهو محتفظ بجزء صغير منها أو قد تخلّى عنها كليّا، وقلّة هم من يحافظون على معظمها حتّى انتهاء الشّهر الكريم، ولا أخفيك أنّي كنت واحدة من الأغلبيّة آخذ الخطّة الرّمضانيّة لنفسي وأعهد أن أقوم بها ما استطعت لأجدني هربت من قيودها شيئا فشيئا مخفّفة عن نفسي تأنيب ضميرها بقليل من أركان الخطّة أراها الأهمّ والأرسخ كالصّلاة في وقتها وقراءة القرآن وما إلى ذلك.. حتّى أنار الله لي خاطرا أرتاح له كثيرا مفاده “العبادة على الفطرة” وهي أشبه ما تكون بخطّة تلقائيّة تبني نفسها بنفسها كلّ لحظة وكلّ ثانية، حيث يجد الإنسان نفسه محرّرا من قيود الالتزام بأداء العبادة في وقت محدّد من اليوم (عدا ما ارتبط منها وقت بأمر من الله ورسوله)، وهنا أجد نفسي قادرة على الذّكر بصورة أكبر، وعلى تأدية جميع واجباتي بما فيها العبادة بصورة أكثر هدوءا ودون التزام بوقت أو بعمل قد لا أستطيع تأديته يوميّا، كقيام الليل، وقد قال الله تعالى في محكم التّنزيل {{فاتقوا الله ما استطعتم واسمعوا وأطيعوا وأنفقوا خيرا لأنفسكم ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون، إن تقرضوا الله قرضا حسنا يضاعفه لكم ويغفر لكم والله شكور حليم} و {لا يكلّف الله إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت..} من هنا نفهم أنّ العبادة أمر منوط بقدرة الإنسانِ على تأديتها، وحينما يتحرّر المرء من قيودٍ وضعها لنفسه في عبادة الله وعبادته بحيث ينبغي لما يفهمه عن استطاعته عبادةَ الله وقدر معرفته وإدراكه لله جلّ وعلا، يجعل في الطّاعة نوعا من الخشوع والرّاحة القلبيّة بالتّقرّب من الله لأن القلب حينئذ مهيّأ لاستغلال كلّ ثانية في سبيل التّقرّب من الله!

يجدر أن أنوّه بأنّي لا أعني تركَ الكتاب والسّنّة والتّفرّغ لما يمليه الوقت والقدرة، إذ أنّ كلّ مسلم بطبيعة حاله يقوم بما فرض عليه دون تذمّر في الغالب ، ولن يكون رمضان صعبا يدعو للتّذمّر حدّ التّخلّي عن الصلاة مثلا أيّا كانت الأسباب، خاصّة مع ارتقاء الإنسان برفاهيّته اليوم، أمّا سنّة النّبيّ فهي نافلة يقدم النّاس بجبلّتهم على كثير منها عمومًا، فإن وافينا منها ما استطعنا، وأكرّر ما استطعنا وزدنا عليها سنّة حسنة بإدامة الذّكر وتأدية الطّاعات المختلفة التي لم يرد ذكرها في السّنّة النّبويّة الشّريفة (ما يسمّى بالبدع الحسنة عند بعضهم، بينما أفضّل تسميتها سنّة حسنة) كان لنا في ذلك أجر والله تعالى أعلم.

إنَّ السّعي إلى تطبيق خطّة رمضانيّة وضعها الآخرون لنا أمر صعب لا يوافق قدراتنا أحيانا أو قد لا يوافق برنامجنا اليوميّ، لذا يقوم المرء طبيعة الحال بتأدية طاعة ترضي الله عزّ وجلّ ثمّ ترضيه ممّا يجعل تأديتها أمرا مريحا وممتعا، فيدوم وإن قلّ، أو يزيد بإذن الله. في الجامع الصّحيح يذكر الإمام البخاريّ رحمه الله عن النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم قوله  “أحب الأعمال إلى الله: أدومها وإن قل”، وعساه دائما فائضا بإذن الله

ختاما نسأل الله العليّ القدير أن يجعل رمضان دائم الرّحمة بنا، منيرا قلوبنا على طاعة الله ما استطعنا بإذنه

كلّ عامٍ وأنتم إلى الله أحبّ وأقرب.

Read Full Post »

بسم الله الرحمن الرّحيم

أحد “البسطاء” يقول: سيهدمون المسجد الأقصى!

آخر في الشّارع يمشي يقول : لا يا عمّي لن يهدموه، أيجرؤون على ذلك؟

ثالث في حانوته: الله أعلم! لا أحد يفهم إلامَ يسعى هؤلاء!

محلّل تاريخيّ يعتقد: في الكتب التّاريخيّة القديمة يقولون: 16/3/2010 تاريخ هامّ لوضع أساس الهيكل اليهوديّ، والغالب أنّهم سيهدمون جزءا من المسجد الأقصى المبارك لهذا الشّأن.

محلّل تاريخيّ آخر: اعتمادا على القاعدة التي تقضي بأنّ التّاريخ يعيد نفسه نقول بأنّ المسجد الأقصى المبارك سيبقى، وسيكون النّصر للمسلمين أبدًا

ويقول فلان كذا.. وفلان يندّد فيقول كذا.. وغيره يوافق ويؤكّد على كذا .. ولا زالت الآراء تكثر

____

في هذا الكون العارم من الملاحظات، ومع اشتداد الأحداث وتأزّمها في ديارنا الأمّ التي لا تعرف إلا الحريّة يظنّ البعض أنّنا نتراخى، ونتراجع .. نخاف.. نخوَّف.. لا زلنا متأهّبين متشكّكين، فبين لحظة وأخرى قد يهدمون، أو لا يهدمون المسجد الأقصى المبارك!

طبعًا جميعنا في النّهاية سينحاز مستعجلا إلى أحد الآراء مخمّنا مصير الأقصى. والحقّ يقال: إنّنا كذلك. فمن منّا لم يسأل نفسه هل سيهدمون الأقصى؟، ولم يرسم في ذهنه صورة عن الحرب التي قد تنشأ أو لا تنشأ على إثر ما تخيّله! جميعنا بدون استثناء

لكن لحظة!

لمَ لا نفكّر بطريقةٍ أخرى!

يعلم اليهود أنّ ما يقدمون عليه سيجلب عليهم مغبّة انتفاضات أخرى، ورغم ذلك سيقومون به لإيمانهم بأنّ ذلك حقّ! أليسَ كذلك؟

ونحن نجزم بأنّ الحقيقة عندنا تقضي بأنّ الدّفاع عن المسجد الأقصى المبارك نابع من اعتباره جزءا لا يتجزّأ من قضيّتنا الأساسيّة: ألا وهي نصرة الإسلام!

هذه الحقائق تأخذني ليقينٍ عظيم جدّا بسلامة القضيّة، وسواء تطاول اليهود على جدران الأقصى أم لم يفعلوا، فليعلموا أنّ نور الله عامّ تامّ يملأ أرجاء تاريخنا الممتدّ، وإن ظنّوا زوال الأقصى بزوال القدس وخلود أورشليم فإنّهم ليعشون في وهمِ الحقيقة، فما من حقيقة تقوم على الظّلم، ولا واقعَ دامٍ يبني عرشه من عظام الأطفال على حساب الخلود إلا وزال. لا قوّة تعلو على قوّة حقيقة الله الأعظم، ومن حقيقته  شيوع المحبّة والسلام والرحمة. فأين هم من كل ذلك!

في مقامنا ،في وهج الحدث نعلي رايتنا نقول:

للبيتِ ربّ يحميه، وللحقّ جنود لا يعلمهم إلا هو!

Read Full Post »

السّلام عليكم ورحمة الله وبركاته

نحبّ أن نسمع رأيكم في هذا الصّوت الجديد

 

Read Full Post »

بسم الله الرّحمن الرّحيم

بقلم: الشّيخ حسن حيدر

DSCF0185

الحمد لله مستحقّ الحمد بلا انقطاع، ومستوجب الشّكر بأقصى ما يستطاع، الوهّاب المنّان، الرّحيم الرّحمن، ، المدعوّ بكلّ لسان، المرجوّ للعفو والإحسان، الذي لا خيرَ إلا منه، ولا فضل إلاّ من لدنه، وأشهد أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له، الجميل العوائد، الجزيل الفوائد، أكرم مسؤول، وأعظم مأمول، عالم الغيوب، مفرّج الكروب، مجيب دعوةِ المضطرِّ المكروب، وأشهد أنَّ سيّدنا محمّدًا عبده ورسوله، وحبيبه وخليله، الوافي عهدَه، الصّادق وعدَه، ذو الأخلاقِ الطّاهرة، المؤيّد بالمعجزات الظّاهرة، والبراهين الباهرة، صلّى الله عليه وعلى آله وأصحابه وتابعيه وأحزابه، صلاة تشرق إشراقَ البدور.

{ يا أيّها الذين آمنوا اتّقوا الله حقّ تقاته، ولا تموتنَّ إلا وأنتم مسلمون} (سورة آل عمران، الآية 102.)

إنَّ الله عزّ وجلَّ خلقَ الإنسانَ في أحسنِ تقويم، ثمَّ جعله مفضّلاً مكرّمًا على كثيرٍ من خلقه لقوله –سبحانه وتعالى- { ولقد كرّمنا بني آدم وحملناهم في البرِّ والبحر ورزقناهم من الطّيّباتِ وفضّلناهم على كثيرٍ ممّن خلقنا تفضيلا} (سورة الأعراف، الآية 70)، وجعل التفاضل بينهم قائمًا على التّقوى والعمل الصّالح وليس على الظّاهر والشّكل لقوله -سبحانه وتعالى- { يا أيّها الناس إنّا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبًا وقبائل لتعارفوا إنَّ أكرمكم عند الله أتقاكم} (سورة الحجرات، الآية 13)، والنّبيّ صلّى الله عليه وسلّم يؤكّد هذه الحقيقة، فعن أبي هريرة رفعهُ إلى النّبيّ صلى الله عليه وسلّم ” إنَّ اللهَ لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أجسامكم ولا إلى أموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم” (رواه مسلم وغيره)، ويقرّر مبدأ المساواة بين بني البشر لقوله –صلّى الله عليه وسلّم- “النّاس سواسية كأسنانِ المشط” (رواه الدّيلميّ) وقوله ” لا فضل لعربيّ على أعجميّ إلا بالتّقوى” (رواه أحمد وأبو نعيم).

موضوع خطبتي اليوم يتعلّق بإخوةٍ لنا في الإنسانيّة، قد تكون قضيّتهم مهمّشة في أيّامنا، وفي حياتنا، وقليل من النّاس من يلتفت إليهم  ويراعي مشاعرهم واحتياجاتهم، أولائك هم المعاقون، وذوي الاحتياجات الخاصّة.

والمعاق هو الشّخص الذي أصيب بقصورٍ أو نقصٍ في وظيفةِ عضوٍ من أعضاءِ جسمه تؤثّر على نشاطه العقليّ أو النّفسيّ أو البدنيّ، ممّا يجعله غير قادر في كثير من الأحيانِ على القيام بوظائفه في الحياة كالإنسان السّويّ، وقد يحتاج إلى مساندة ومساعدة من غيره للقيامِ بوظائفه الحياتيّة والاجتماعيّة.

لقد اهتمَّ الإسلام كثيرًا بالمعاقين، ودعا إلى احترام إنسانيّتهم  ومشاعرهم، والعمل على مساندتهم والاهتمام بحقوقهم، ودمجهم في الحياة الاجتماعيّة، فهم  قبل كلّ شيء أخوة لنا في الإنسانيّة ابتلاهم الله عزّ وجلّ بهذه الإعاقة، ولم يختاروا ذلك بأنفسهم، ولكنّ الله عزّ وجلّ هو الذي ابتلاهم بها، ولله في خلقهِ شؤون، وقد يكون هذا المعاق أفضل وأحبّ إلى الله من الإنسانِ الصّحيح إذا صبر على هذا البلاء، أو على هذه الإعاقة لقول النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم “إذا أحبَّ الله عبدًا ابتلاه”

وأيضا جاء في الحديث الذي رواه النّبيّ عن ربّ العزّة إذ يقول ” إذا ابتليتُ عبدي بحبيبتيه (أي عينيه) فصبر عوّضته منهما الجنّة” (رواه البخاريّ) بل جعل النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم الإحسان والاحترام لهذا الفئة الضعيفة سببا في نزول الرزق والنّصر على الأعداء فأوصانا بهم بقوله –صلّى الله عليه وسلّم- “أبغوني في الضّعفاء فإنّما ترزقون وتنصرون بضعفائكم (رواه مسلم وأحمد).

وبلغ من تكريم هذا الدّين للمعاق أنّ الله عزّ وجل عاتب حبيبه ورسوله محمّدًا صلّى الله عليه وسلم عندما عبس في وجه الأعمى الصّحابيّ عبد الله بن أمّ مكتوم رضي الله عنه، وأعرض عنه لانشغاله بدعوة سادات وأغنياء مكّة طمعًا في إسلامهم ودخولهم في هذا الدّين، وعندما أنهى الرّسول صلّى الله عليه وسلّم كلامه معهم نزلت الآيات تخلّد هذه الذّكرى وتشرّع إلى أبد الدّهر وجوب الالتفات والاحترام لمشاعر هذه الفئة، ويقول سبحانه وتعالى {عبس وتولّى^ أن جاءَه الأعمى^ وما يدريك لعله يزّكّى..}

ومن ذلك اليوم ما فتأ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يكرم هذا الصّحابيّ الكفيف ويدنيه من مجلسه ويسأله عن شأنه، ويجتهد في إكرامه، وكان كلّما لقيه بسط له رداءَه وقال له: “مرحبا بمن عاتبني فيه ربّي”، بل بلغ في تقدير النّبيّ له أن عيّنه ثاني مؤذّن في الإسلام بعد بلال واستخلفه واليا على المدينة مرّات عديدة، كانت إحداها يوم غادرها الرّسول صلّى الله عليه وسلّم لفتح مكّة، وهذا الصحابيّ عبد الله بن أمّ مكتوم رغم عماه تقلّد أعظم الأوسمة في أعظم الحروب التي خاضها المسلمون. في معركة القادسيّة كان حاملا للواء المسلمين واستشهد وهو يعانق هذا اللواء.

بعد وفاة النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم اعتنى الخلفاء والحكّام برعاية شؤون المعاقين وتوفير الخدمة اللائقة بهم، فقد كان الخليفة عمر بن الخطّاب رضي الله عنه يقوم شخصيّا بخدمة المعاقين وقضاء حوائجهم، فقد أورد ابن الجوزيّ في كتابه “مناقب عمر بن الخطّاب” هذا الموقف العظيم الجليل لعمر فقد روى الإمام الأوزاعيّ أنّ عمر خرج في سواد الليل فرآه طلحة رضي الله عنه فذهب عمر فدخل بيتًا ثمّ دخل بيتًا آخر فلما رجع ذهب إليه طلحة (أي إلى ذلك البيت) وإذا بعجوز عمياء مقعدة فقال لها “ما بال هذا الرجل يأتيك” فقالت: “إنّه يتعهّدني منذ كذا وكذا ويأتيني بما يصلحني ويخرج عنّي الأذى”، فقال طلحة: “ثكلتك أمّك يا طلحة، أعثرات عمر تتبع؟!”

وفي عهد الخليفة عمر بن عبد العزيز جعل لكلّ مقعدين خادمًا يخدمهم ولكلّ أعمى غلامًا يقوده. واهتمّ المسلمون على مرّ العصور بإنشاء المؤسّسات الرّسميّة التي ترعى شؤون المعاقين، فقد أسّس الخليفة الأمويّ الوليد بن عبد الملك بن مروان أوّل معهد للمعاقين عام 88هـ- 707م، ثمّ أسّس العباسيّون سنة 137هـ- 765م أوّل مستشفى خاص للمعاقين تولّى إدارته الطبيب الكفيف أبو الحسن البغداديّ، ثمَّ أنشأ بعد ذلك أحمد بن طولون في مصر مستشفى وسمّي البامرستان

والإعاقة لم تمنع كثيرا من المسلمين على مرّ العصور من الإبداع والتّألّق والتّفوّق في كثير من المجالات، وقد قيل قديما من كلام العرب “كم من ذي عرج في درج المعالي، وكم من صحيح قدم ليس له في الخير قدم” ويقول أحد الشّعراء المكفوفين

إنَّ الله يأخذ من عيني نورهما    ففي لساني وسمعي منهما نور

وقد ذكرت كتب التّاريخ العربيّة والإسلاميّة كثيرا من المعاقين المبدعين، من هؤلاء:

1-   أبّان بن عثمان بن عفّان رضي الله عنهما، كان به صمم وحول وبرص ثمّ أصابه الفالج. ورغم كلّ ذلك كان أكبر فقهاء المدينة وعلمائِها، وقد عيّنه الخليفة عبد الملك بن مروان على المدينة سنة 76هـ.

2-   الأحنف بن قيس: وهو الصحابيّ الذي دعا له رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فقال” اللهمّ اغفر للأحنف” والذي كان مشهورًا بالحلم فقيل: “أحلم من قيس” كان في رجليه اعوجاج وكان ملتصق الفخذين، وكان أعرج قصير القامة ومع ذلك كلّه جمع خصال الشّرف والسّيادة والحنكة والحزم والحلم، وقيل إنّه كان إذا غضب، غضب له ألف سيف لا يسألونه فيما غضب.

3-   الإمام الحافظ المحدّث محمّد بن عيسى التّرمذيّ صاحب كتاب “سنن الترمذيّ” وهو أحد الكتب السّتّة المعتمدة في الحديث عند أهل السّنّة، له مؤلّفات جليلة منها” كتاب الزّهد، الشّمائل المحمّديّة وغيرها، وقد كان كفيفا.

4-   موسى بن نصير القائد المسلم العظيم الذي فتح شمال أفريقيا والأندلس، وكان أعرجا

5-   أبو العلاء المعرّي الشّاعر المعروف، وكان كفيفًا.

6-   ومن المعاصرين الرّافعي، الذي له المؤلّفات الجميلة في علوم القرآن والأدب، وقد كان أصمًّا.

7-   طه حسين: عميد الأدب العربيّ وكان كفيفا

8-   الشّيخ عبد الحميد كشك الدّاعية الخطيب المعروف، وكان كفيفا

9-   الشّيخ ابن باز مفتي المملكة العربيّة السّعوديّة الرّاحل، وكان كفيفًا.

وهنالك العشرات، بل المئات من الأمثلة التي تعطي الأمل والمعنويّة لهذه الفئة بأنّ الإعاقة ليست عيبًا، ولا سببًا يمنع المعاق من التّألّق والتّأثير في المجتمع والحياة، وقد آن الأوان أن نغيّر نظرتنا وتعاملنا مع ذوي الاحتياجات الخاصّة بما يلائم ويناسب قيمنا الدّينيّة التي ذكرناها آنفًا، والتي تحثّنا على وجوب احترام المعاقين وتقديم الخدمات الكافية والملائمة لهم.

أسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفّقنا جميعنا لتحقيق هذه المعاني الجميلة، والمهمّات الجليلة، إنّه وليّ ذلك والله في عونِ العبد ما دام في عون أخيه.

Read Full Post »