يحكي قصته..

بسم الله الرّحمن الرّحيم

في أواخر البلدة بيتٌ معقود الجبين، يراقصُ وهجُ الشّمس منافذ فيه تركها الزّمن ندوبا ترتسم على جدرانه، وعلى صفحات وجهه كثيرٌ من الماضي.. كثيرٌ من القصص تحكيه.

تطلّعتُ في جوانبه.. رأيتُ الحوش.. والهرج والمرج الذي انصرف عنه.. رأيتُ حوضَ الماء يبكي عطشًا. رأيتُ البوابة القديمة ترجوني أن ألج… أن أروي على لسانِ حالها. قصّة كبرى تحاول أن تجمع “فلسطين الأمس” في حدود هذه الدّار.

أسمعها تقول:

“كان سكّان هذا المنزل يلبسون ثوبَ الصّحو رغم تثاقل النعاس. تُسمع وشوشات الصبح منهم مع ترانيم الأذان. تقوم الأمّ يبتلعها المطبخ دقائق.. ساعات، تتبعها الفتاة متعثرة بقليل من حلم البارحة برجلٍ وسيم يحتوي أنوثتها المتأجّجة، كاشفة عن قليل من ذراعيها تناوئ فيهما سحر الطلّ في ساعاتٍ تمزّق فيها الشّمس أسرار السّبات.

أمّا الأبناء فيلحقون والدهم إلى المسجد متتابعين. يستوقفهم بحثهم عن أغراض شتّى، فذاك يبحث عن حذائه وآخر عن “طاقيّة” رأسه وثالث عن سبحته. والأب قبلهم يأخذني برفق، يحمد، يهلل شاكرا المولى على نعمة الإيمان، تاركي عند وجه الشارع الذي يتتابع طارحا على أهل الحيّ السّلام.. وتبدأ الحركة تدور.. وعلى إثر الصّلاة واغتباق البيت بعطر الذّكر وتراتيل القرآن الكريم.. ومشارب الحركات والطوفات للفتية والفتيات في باحة المنزل، ودغدغة الخبز أنوف أطراف الحارة.. والإفطار.. للانطلاق إلى العمل.. ودواوين القهوة.. والمعمول والسمبوسك.. وحلب الأبقار ورعي الأغنام وإحضار الخضروات والفواكه.. وما بين ذلك كله لحظاتي كانت منطلقة.. أنظرهم فأعيشهم.. وينظرونني فيرونني جمادا لا أتحرك.. أنتظر عصرهم كانتظار صباحهم حيث يجتمعون مع بعضهم.. أنتظر مساءهم ومسامراتهم ومحاوراتهم وأحاديث أيّام “الحاج علي” و”حياة الشّيخ صالح” وقصص السّابقين ومواعظ الصّالحين.. والقمر يزيّن سدّة المنزل بقبساته الفضيّة الوضّاءة التي تنسدل بردا وسلاما على نسيم الليل فيتلفحه أهل الدار ثمّ يتركون النوم يحملهم إلى فرشهم استعدادًا ليومٍ آخر.. ولكن أيّ آخر؟!

في ذاتِ ليلةٍ خاف فيها القمر وارتمى خلف الغمام هلع أهل المنزل لخبر  هجوم الجيش الإسرائيلي على القرية

تصايح الناس.. نادى ربّ البيت جيرانه وأهله.. وقال لهم: إحملوا مفاتيحكم وأرواحكم واطلعوا .. إطلعوا… وبعد الغارة نعود.. نعود. ولا زالت نبرة العودة تطرق هذا الحديد الصدئ الذي يعتريني.. وغاب الأهل.. وأغلقتُ منذ ذلك اليوم.. ومفتاحي مع أيّ فلسطينيّ يأتي ويدفعني إليه.. بحقّ العودة!

Advertisements

5 أفكار على ”يحكي قصته..

  1. قصة اكثر من رائعة وان شاء الله سوف تكون فلسطين لاهلها ولجميع المسلمين وسوف يعودون منصورون باذن الله تعالي

  2. وفي الليلة الظلماء يفتقد البدر … الحوش المهجور والبئر الذي ملّ من حراسة الشوك والعلّيق له منتظرا السواعد الفتية التي تنشله من السوداوية المقيتة التي ما انفكت تراوده . ذكرى التهجير والفردوس المفقود ما هي الا ندبات في قلب الذاكرة ، لا يستطيع المرء أن يمر عليها مر الكرام ، فما أن يمر على أطلال تلك القرى حتى يستذكر أحلام العذارى عند العين وقصص الرعاة على الروابي فيجيش القلب وبنقبض الصدر ولو لبرهة من الزمن ، أسفا على ما قد فات .. وحين يستيقظ من أحلام يقظته يشعر بحرارة على خديه وطعم الملح على شفتيه واحمرارا في مقلتيه … سلمت أناملك !

التعليقات مغلقة.