إنارات على “الفرج بعد الشّدّة”

بسم الله الرّحمن الرّحيم

بين الخطّ والتحقيق

     يعتبر الفرج بعد الشّدّة عصارة ثقافةٍ تلقّاها المحسّن التّنوخيّ (384 هـ)[1] ممّا سمع وشاهد ومن خلال تجاربه الذاتيّة مرّ بها بنفسه، أصدر كتابه في مجلّداتٍ ثلاثةٍ حقّقها عبّود الشّالجي بعد تفرّغه من كتاب “نشوار المحاضرة” للتنوخيّ أيضًا، وذلك بالاعتماد على مخطوطات جاءَ بها من مكاتب عدّة في العالم[2]، إلى جانب استعانته بمطبوع النّسخ المحقّقة، وينبغي لنا أن ننوّه بأنّه وجد الكثير من النّقص فيها، ويبدو أنّ المشكلة تعود بالأساس إلى المخطوطات التي اعتمدت لتحقيقها لأسبابٍ لن نخوض فيها ذكرها الشّالجي في مقدّمة كتابه[3].

كتاب “الفرج بعد الشّدّة”

     يخبرنا التّنوخي في المقدّمة عن وجود كتبٍ سابقةٍ لكتابه تناولت موضوع الفرج بعد الشّدّة نذكر منها كتاب المدائنيّ “الفرج بعد الشّدّة والضيقة”، و” كتاب الفرج بعد الشّدّة” لابن أبي الدّنيا وآخرها لابن يوسف الأزديّ،  وتحمل العنوان ذاته أيضًا[4]، ممّا أدّى إلى اعتماد معظم الأخبار التي تناولتها هذه المؤلّفات إلى جانب أخبارٍ أخرى مستقاةٍ من كتبٍ لم يقتصر فحواها على موضوع الكتاب، نذكر منها للتّمثيل كتاب الآداب الحميدة، والأخلاق النّفيسة للإمام أبي جعفر الطّبريّ، وكتاب الأغاني للأصفهانيّ وغيرها الكثير[5]، هذا إلى جانب نقله لأخبارٍ سمعها من أساتذته الذين أجازوا له الرّواية عنهم، ومن الجدير بالذّكر أنّ محاكاة التّنوخي لسابقيه في وضعِ كتابٍ يعالج الفرج بعد الشّدّة لم يقتصر عليه إذ لحقه في تقليد ذلك الكثيرون؛ نذكر منهم المرزبانيّ بكتابٍ أسماه “الفرج بعد الشّدّة” والسّيوطيّ في كتابه “الفرج القريب”وغيرهما.

سبب وضع الكتاب

     يعتقد الشّالجيّ بأنّ سبب وضع الكتاب هو مرور التّنوخي بأزماتٍ وابتلاءاتٍ رغب على إثرها بجمع أخبارٍ مضافة إلى تجاربه، بينما يخبرنا التّنوخي في مقدّمته غير ذلك إذ يقول: ” فكان هذا من أسباب نشاطي لتأليف كتابٍ يحتوي من هذا الفنّ على أكثر ممّا جمعه القوم وأشرح، وأبين للمغزى وأكشف وأوضح، وأن أخالف مذهبهم في التّصنيف وأعدل عن طريقتهم في الجمع والتّأليف.. فرأيت أن أنوّع الأخبار وأجمعها أبوابًا ليزداد من يقف على الكتب الأربعة بكتابي من بينها إعجابًا..” [6]. ويذعن الوسلاتي في مقاله “القصّ في أخبار الفرج بعد الشّدّة لذلك فيسهب شارحًا أنّ التّنوخي يؤكّد في مقدّمته على عدم ابتكاره نوعًا أدبيّا جديدا، ولا خلق مضمونٍ آخر لم يذكر سابقا، فقد تناول الكثيرون موضوع الفرج بعد الشدة قبله، إلا أنّ المميّز في كتابه سدّه للفجوات والنّواقص التي وجدت في كتب من سبقوه عن الفرج بعد الشّدة بنقصان وظيفتها التّأثيريّة[7]، على إثر ما أوضحه محمّد حسن عبد الله في كتابه “الفرج بعد الشدة للقاضي أبي عليّ المحسّن علي التّنوخيّ” عن القدرات الإبداعيّة التي أثبتها القاضي أبا عليّ في ابتداعه لموضوعٍ سبق وتناقلته كتب الأدب ممّا يؤكّد المنطلق الدّلاليّ الواحد، وينفي القدرات الإبداعيّة المتميّزة عمّن هم دون المحسّن[8]. يجدر الذّكر أنّ جميع الباحثين يرون بأنّ موضوع الكتاب ذو نزعةٍ دينيّةٍ، فيخبرنا عبد الله يقول: “إن المشاركة الإنسانيّة في رفع البلاء عن المكروبين من القيم الدينيّة السّابقة”[9] لاعتبار الفرج متعلّقًا بإيمان بالفرج من الله وقت الشّدّة والبلاء، الذي يؤدّي بنا أخيرًا إلى رفع البلاء. تجتمع هذه العلاقات التبادليّة في إطار المربع السيميائيّ الذي سنعود لذكره في تحليلنا للأخبار المختارة.

تبويب الكتاب:

     بني الكتاب على أربعة عشر بابًا، كلّ منها يصنّف وفق تنوّع الشّدائد، وجميعها متعلّق بموضوع الفرج بعد الشّدّة دون أن ترتَّب ترتيبًا زمنيًّا أو تاريخيًّا. مع ذلك يراعي التّنوخي شمول أخبار من جميع الأزمنة امتدادًا من العصر الجاهليّ حتّى عهد الخلافة العبّاسيّة (العهد الذي عاش فيه). بهذا نلاحظ بأنّه لا يحافظ على تبويب منظّم بل يراعي المنطق في تبويبه، ويعرّف الوسلاتي التّبويب “تدرُّجًا تفاضليًا قيميًّا ينمّ عن نزعةٍ دينيّةٍ أخلاقيةٍ”[10]، فقد أورد بابًا لقصص الأنبياء، ثمّ عن الأخبار والآثار، ثمّ ذوي الخلافة، وفي آخر الأبواب ذكر العشق والهوى ممّا يعكس نزعته الدّينيّة. لم يعتمد التّنوخي الموسوعيّة بل اعتمد السّرد المجرّد دون إسهاب كما أنّه لا يذكر معلومات تبدو مهمّة عن الشخصيّات الذين يظهرون في الأخبار، ولكنّه في الوقت يدحض ادّعاءات المستشرقين الذين يعتبرون خطابنا النثريّ القديم خطابًا مشوشًا متداخلاً لا يجري على نسق.

تقنيّات بارزة في أخبار “الفرج بعد الشّدّة”

     يعتبر النّصّ في الكتاب مختصًّا بسمات القصّ وجماليّة السّرد، أو ما يسمّى بالظّاهرة القصصيّة التي تعتبر الأساس الذي ينسج أخبار الكتاب، هذا إلى جانب العناصر والثّوابت الأخرى التي يجدر تبيينها كثنائيّة الإسناد والمتن، مزج النّثر بالشّعر، التّحوّل من الجدّ إلى الهزل، الجمع بين الإفادة والإمتاع (وهو من أهمّ الخصائص التي ركّز عليها الخطاب النّثريّ القديم الذي اعتبر شرطًا من شروط الكتابة النّثريّة عند القدامى)، إظهار البراعة في الإطناب والاختيار كلّ في موضعه، ويرى شكري عيّاد في مقاله “فنّ الخبر في تراثنا النّثريّ” وغيره أنّ عنصر التّشويق أهمّها على الإطلاق ذلك لضمان التّواصل بين الذّات (القارئ) والموضوع (النّصّ) لضمان التّفاعل بينهما، وينبغي لذلك أن يمسّ الموضوع واقع القارئ ويوافق مستوى استيعابه وإدراكه له  ليصل إلى تواصلٍ معه[11]، ومن أهمّ الوسائل التي يعرض لها في هذا السّياق هي نظام “الافتقار”[12] الذي يسمّى بلغة الاصطلاح النّقدّي “التّفجية”[13] والذي لا يقتصر على فنيّة الحكائيّة القديمة فحسب، بل على جميع الأجناس الأدبيّة الحداثيّة أيضًا.


[1] مؤلّف كتاب الفرج بعد الشّدّة، وهو المحسّن بن عليّ بن محمّد التّنوخيّ البصريّ، من أكبر القضاة الأدباء في عصره، له مؤلّفات عديدة أهمّها نشوار المحاضرة، جامع التّواريخ والفرج بعد الشّدّة، أنظر: خير الدّين الزركلي، الأعلام، بيروت، دار العلم للملايين، 2005، 5: 288.

أنظر: المحسّن بن علي التّنوخي، تحقيق: عبّود الشّالجي، الفرج بعد الشّدّة، بيروت، دار صادر، 1978، 1: 6-7.

[3][3] أنظر: ن.م.، 8-9.

[4] أنظر: ن.م.، 52.

[5] أنظر: ن.م.، 10-13.

[6] التنوخي، الفرج بعد الشّدّة، 1: 7.

[7] البشير الوسلاتي، القصّ في أخبار الفرج بعد الشدّة للقاضي التّنوخي، حوليّات الجامعة التّونسيّة (تونس، الجامعة التّنوسيّة، 1997)، 41: 94-95

[8] محمد عبد الله، الفرج بعد الشدة للقاضي أبي علي المحسن على التنوخي، دار قباء، القاهرة، 2000، 32-33.

[9] أنظر: هناك.

[10] الوسلاتي، القصّ في الفرج بعد الشدة، 97.

[11] شكري عيّاد، فنّ الخبر في تراثنا النثريّ، مجلّة فصول، العدد 11، 1982، 12-13.

[12] الوسلاتي، القصّ في الفرج بعد الشدة

[13] وهي تخطيط واعٍ ومدروس تعتمد على إخفاء معلوماتٍ ما في النّصّ لتأجيلها أو لإخفائها عن القارئ بما يخدم التّشويق والإثارة، أنظر: إبراهيم طه، نظام التفجية وحواريّة القراءة، الكرمل، العدد 14، 1983، 95.

Advertisements

فكرة واحدة على ”إنارات على “الفرج بعد الشّدّة”

التعليقات مغلقة.