محبّة الجمال

بسم الله الرّحمن الرّحيم

لقد خصّت الكائنات البشريّة بميزات كثيرةٍ تشهد لله بحكمة خلقه، ومن عظيم ذلك جبلّة المرء على فطرته، هذه الفطرة التي تتمثّل بمحبّة عظيمة منارة بقبس ربّاني مبارك، ولأنّ هذه المحبّة تستوجب أن نبيّنها عمّا قد يشوبها فقد اخترنا أن نبدأ بإدراكها عبر آيات انكشافها للخلق، سائلين الله أن ييسّر لنا ذلك بإذنه

أوّل ما تعرف المحبّة فيه استطلاعها الجمال.

والجمال لغة: البهاء والحسن في الفعل والخلق (ابن منظور، ج.م.ل). وليس الجمال أمرا مقصورا على الإنسان فحسب فقد اختصّ كلّ خلقٍ بجمال يميّزه عن الآخر حسّا كان أو معنى، وقد ذكر الله تعالى في القرآن الكريم مثلا جمال الأنعام إذ جعلها زينة للبشر، فيها منافع شتّى لهم في قوله: { وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ}- (النحل، آية 6). نستطيع لذلك أن نقول بأنّ الجمال هبة ربّانية قد يمكننا اعتبارها آية أخرى في القرآن المفتوح، فيها استطلاع للقالب والماهيّة، هذا الجمال نفحة من نورانيّة بثّها الله في الأرض من وحيه لما ورد عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قوله: إنّ الله جميل يحبّ الجمال (صحيح مسلم، كتاب الإيمان). يمكننا أن نفهم إذا بأنّ الجمال الدنيويّ غيض من كمال جمال الله سبحانه وتعالى، لذا لا يمكن للجمال إلا أن يكون حسنا. والجمال جليّ لمن أدرك المحبّة، فإدراكنا محبّة الأمر استطلاع لمكامن الجمال في دخائلنا أوّلا، ذلك أنّنا عرفنا بالفطرة محبّتنا لأمرٍ ما أو لشخصٍ على إثر استنباط القيم الجماليّة فيه حسّا ومعنى، وفي المقابل ثانيا لاستظهار السمات الجمالية منه، حتّى إذا ما انبلجت هذه السّمات أو بعضها تحقّقت المحبّة بالإدراك لا بالجبلّة فحسب، أمّا المعرفة فهي تمكين القلب من استطلاع المعاني المزجاة لكلّ قيمة جمالية بثها الله في كلّ خلقٍ له حتّى ننفذ بعدها من جبلة محبّة الله فينا إلى معرفتها، ولا يكون ذلك إلا بالمجاهدة لإدراك الجماليّات، وليس عبثا على ذلك أن نجد كثيرا من علمائنا ينزعون إلى كشف أسرار العبادات وفروع الشريعة الأخرى، ذلك أنّهم أدركوا معاني الجمال في كلّ فريضة منها أو سنّة، ووضعوا لها القواعد لتحقّق الاستطلاعات فتوخّيها وتذوّقها فالإدراكات وفهمها فالمعارف والتبحر فيها.

قد يسأل سائل: فهل يمكنا مطالعة السّمات الجماليّة في كلّ خلق؟ لا أجد لهذا السّؤال جوابا سوى: الله أعلم. هذا متعلّق بقدرة المرء على مجاهدة قلبه في ترك الشوائب بمتابعة الجمال الحقيقيّ الذي يقع في القلب فيرضاه، حتّى إذا ما استوثق كشف عن نفس المرء غمما وشوائب طهّرته فكشفت له المحبّة بقدرة الله العليّ الأعلى جمالا لا يكون إلا منه…

وللحديث.. بقيّة!

 

Advertisements

One comment

  1. “قدرة المرء على مجاهدة قلبه في ترك الشوائب بمتابعة الجمال الحقيقيّ الذي يقع في القلب فيرضاه”

    رائع 🙂

التعليقات مغلقة.