وبال في الحارة

بسم الله الرّحمن الرّحيم

للسّنة الخامسة على التّوالي يفتح باب الحارة مصراعيه للمشاهدين ليتابعوا أحداث مجتمع لا شكّ بأنّه يستجدي انتباه الآلاف له لما فيه من تعبيرات ثقافيّة عربيّة غالبها متعلّق بالفكر القوميّ، ولأنّنا نتعطّش إلى القوميّة العربيّة الحقّة التي لم تنجح مجمتعاتنا على أرض الواقع في تمييز نفسها به ننهمك في محاكاته.

ولا أنكر على نفسي جنوحها إلى متابعة المسلسل أيضًا؛ على إثر نجاحه العام المنصرم في تقديم صورة صاخبة أفلحت فيها بالترويج له لاستغلالها القضيّة الأهمّ في ثقافتنا، ألا وهي القضيّة الفلسطينيّة، وصقلها في إطار مشابه بعدما غيّرت ملامحها وموّهتها.. هربا من الرّقابة أو ربّما استجداء لزيادة عدد المتابعين.

ومع كلّ ما في المسلسل من حماسة تمسّ احتياجاتنا النفسيّة والقوميّة بل والأخلاقيّة أيضا، فإنّه يتضمّن كثيرا من الشوائب، على صعيد الفكرة والعادات.. ومع كلّ حسناته (الجمّة حقيقة) يخفي في طيّاته السّوء الكثير، وتمثيلا لذلك نذكر موقف “معتزّ” وقبله “أبو شهاب” من الثّأر، وتشجيعهما له والمجتمعات العربيّة قد حاولت طويلا درأ هذه العادة وكبحها، لكنّ الوسائل الفكريّة المتخبّطة لا تزال تعزف على أوتارها ظنّا بانّها شيمة “مرجلة”، وأمور أخرى مبالغ فيها وردت لن نذكرها لكثرتها، وكأنّي في هذا الموقف أطبّق مشهدا من مشاهد المسلسل علينا، إذ قال “أبو كامل- مأمون بِك” للعسكر الذي جاء يبحث عن “أمّ جوزيف” في الحارة عودوا أدراجكم لا شأن لكم عندنا.. الرّجل الذي تسلّل إلى الحارة متخفيّا صار سيّدا عليها يأمر فيها وينهى، ويطال بفكره الكبار والسّادة بما فيهم السّلطة الدينيّة المتمثّلة بالشّيخ عبد العليم”. هذا المشهد  خير ممثّل لحالنا أمام مسلسل “باب الحارة”، فقد تسلّل إلى بيوتنا، ومسّ فينا حاجاتنا، وكشف عن عورات نواقصنا حتّى إذا تمكّن من إدراكها غذّاها بصورة سلبيّة.. فمجرّد جعل رمز الرّجولة والشّباب “معتزّ” ينزع إلى الثّأر، فهذا يعني بأنّهم يتيحون المجال للفكر بأن يتوخّى اتخاذ موقف إيجابيّ من الثّأر عاجلا أم آجلا، بامتصاصه وتذويته عبر إيراده في كلّ جزء

ومع ذلك: لا زال “باب الحارة” موجودًا.. والحقّ انّي أحترم توجّهه.. وإن كانت أهدافه مغايرة لأهدافنا، مختلفة تمام الاختلاف عما يتأمّله المشاهد يبقى “باب الحارة” حاضرا في مجالسنا وأحاديثنا.. نمثّل فيه لعروبة ضائعة في واقعنا، ولثقافة تندثر أمامنا نحاول لملمتها.. على أنّنا يجب أن نكون واعين ومتنبّهين جدّا إلى أنّ أيّ خطأ في التّوجّه تبثّه شاشات التّلفزة ملزمون بأن نشير له بإصبع الاتّهام، أو نهجوه، وما فعلته امّي في حضرة الصّغار دعاني إلى قول ذلك، إذ حينما سمعت “معتزّ” يقسم بجلال الله العظيم على أمرٍ ديننا وأخلاقنا وإنسانيّتنا ترفضه قالت: هذا حرام، ولا يجوز.. نحن لا نؤمن بالثّأر. تعقيبها هذا أثار أسئلة كثيرة عند أطفالٍ جلسوا معنا ليشاهدوا الحلقة.

وكذا نحن جميعا.. نحتاج إلى عين لا تشاهد لتخزّن الانفعالات والأفكار فحسب، بل وتقوم بنقدها أيضًا.. حتى نجد لنا أخيرا خلاصا قد يبدأ من هذا الباب.  

Advertisements

13 فكرة على ”وبال في الحارة

  1. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
    حيّاك الله يا إسراء، وبارك الله بك على هذه الكلمات
    ونصيحتك الأخيرة مهمة جدا في أننا نحتاج إلى عين لا تشاهد… إلخ.
    عني شخصيا، تابعت فقط الجزء الأول من هذا المسلسل، وفي الأجزاء الأخرى لم أتابعه، فقد شعرت بأن هذا المسلسل هو نوع من “الفانتازيا” الذي يحتاجها العالم العربي وغير موجودة على أرض الواقع لهذا هو “متعلق” جدا بهذا المسلسل، وقد نجح القائمون على هذا المسلسل بإستقطاب أغلب الجماهير… 🙂
    أشاهد وأسمع بعض اللقطات حين يشاهدوه أهل بيتي، وارى فيه بعضا من الواقعيه وبعضا من اللاواقعية ومن المبالغة.
    ولكن يبقى مسلسل وثقافتنا وثقافة الجيل الناشئ لا تنحصر في المسلسلات….
    جعلك ربي من عتقاء الشهر المبارك
    وبورك قلمك السامي

  2. وعليكم السّلام ورحمة الله وبركاته
    الحبيبة أركان: مرورك الدائم يجعلك من أهل البيت 🙂 فأهلا بك دائما
    الفانتازيا- أو الخيال عنصر من عناصر جذبنا.. أليست محاكاة لنواقصنا. مع ذلك أدعوكِ لمتابعة باب الحارة .. ففيه الكثير من الأمور التي تغذينا .. حاليا على الأقل 🙂
    طاب يومك

  3. لست متابعا جيدا
    تابعت بعض حلقات الادعشري فقط

    لكني أراها قضية تجارية بحته
    باستخدام لفت الانتباه
    ضحكا على الذقون

  4. الحمدييه لست مممن يتابع المسلسلات لا في رمضان ولا غيره
    أرى أنها هي و غيرها تستخدم لأهداف مبطنة ترويجية
    جل تقديري لك

  5. حياك الله يااختي
    هل تصدقي رغم الهاله الاعلاميه الكبيره له وكثرة المتابعين له لم اتابع لا انا ولاا سرتي اي جزءمن اجزائه
    انا اكره المسلسلات جداً
    كل الشكر لكِ وكل عام وانتِ بخير

  6. المستشار، المحبرة وبوح القلم: حيّاكم الله جميعا. نعم أهدافهم قد تختلف عن أهدافنا، لكنّ المسلسلات العربيّة كأيّ علمٍ من العلوم، نأخذ ما ينفعنا منه، ونفنّد بالحجّة ما يخالفه.
    بورك في مروركم الكريم.

  7. مقالةٌ واعية تُبرز فيها الكثير من الأبعاد
    ولكن برأيي: مسلسل باب الحارة ليس بتك الأبعاد فحسب بل هنا الكثير منها لم يذكر وأهمها الابتعاد الواضح عن العبادة من أجل متابعة الأحداث الشيقة، ثم أن الكثير من الألفاظ التي لا تمت للدين بصلة ومنها (بجاه النبي، والختمة الشريفة… إلخ) وزرع بعض الأفكار التي غابت عن مجتمعنا المعاصر
    الحديث عن أبعاد المسلسل يطول.
    إسراء..
    فلّة لكِ
    كوني بخير

  8. المشكلة أنهم أيضاً يصورون المجتمع السوري بطريقة في غاية السخف!
    وكأن هكذا يكون الاحتشام ، أو هكذا تكون الرجولة!

    الله يسترن على مجتمعاتنا ويهدينا جميعاً ..

    ملاحظة صغيرة (الصلاة النورية/العظيمية) بدعة لا أصل لها في ديننا الحنيف 🙂

    هدانا الله أجمعين ،،

  9. “عندما يرحل السنونو”: نعم هي تحتوي الكثير مما لا ندرج عليه، ولا أظنّ أن آباءنا قد فعلوا أيضًا ولكنها إلى جانب تعرض لقيم نبيلة صادقة وصاحية حتى يومنا هذا.. توخّي الموضوعيّة أمر هامّ أم ما رأيك؟ 🙂 سعيدة بمرورك.. أهلا بك
    العقد: أراكِ حانقة… هلا أفصحتِ 🙂
    أقصوصة: الله أكرم. كلّ عام وأنتِ بخير 🙂
    حمامة الإسلام: نعم يصوّرونه بصورة قبيحة نوعا ما، ولكني أعيد عليكِ ما قلته لـ “عندما يرحل السّنونو.. وبالنسبة للبدعة، أعتقد أنّه قد حان الوقت لنقرأ علماءنا الذين يفرّقون بين الحسن والسيء من البدع. طاب يومك وأهلا بكِ 🙂

  10. نعم، توخي الموضوعية أمرٌ هام-كماقلتِ- لكن كوني موضوعية في كل شيء. فالمسلسل التلفزيوني -كما قلتُ أنا- له أبعادٌ كثيرة، أهداف، رؤية، توجه، أسباب، وسيكون أيضاً هناك نتائج لعرضه

    دمتِ بخير 🙂

التعليقات مغلقة.