راحة العبادة في رمضان

بسم الله الرحمن الرحيم

مع اقتراب كلّ رمضان تشيع في عوالم الاتّصال المرئيّ والمسموع ما يسمّى بالخطط الرّمضانيّة والواقع أنّ كثيرا جدا من الناس يختارون إحداها لما فيها من تعدّد في العبادات، أو ربّما لعظم من فيها من أجر، ولست أنكر على نفسي إقدامها على اختيار واحدة ممّا يصلني على البريد أو في صفحتي هذه أو حتّى في شتّى المواقع الأخرى، والواقع أنّ المسعى الذي يقدّمه طارح الخطّة أيّا كان مبارك وعظيم، ولكن يبقى السّؤال: أأنا قادر على الاستمرار في هذه الخطّة؟ على تطبيقها بشكل سديد؟

تثبت التجربة الإنسانيّة أنّ الإنسان بنفسيّته ينزع إلى كلّ ما لا يقيَّد به، ولذلك تجده يستمتع بقراءة الخطّة الرّمضانيّة ويعقد العزم على تطبيقها، ولكنّه بعد مدّة قصيرة يبدأ بالتّراجع عن بعض ما فيها حتّى لينتهي رمضان وهو محتفظ بجزء صغير منها أو قد تخلّى عنها كليّا، وقلّة هم من يحافظون على معظمها حتّى انتهاء الشّهر الكريم، ولا أخفيك أنّي كنت واحدة من الأغلبيّة آخذ الخطّة الرّمضانيّة لنفسي وأعهد أن أقوم بها ما استطعت لأجدني هربت من قيودها شيئا فشيئا مخفّفة عن نفسي تأنيب ضميرها بقليل من أركان الخطّة أراها الأهمّ والأرسخ كالصّلاة في وقتها وقراءة القرآن وما إلى ذلك.. حتّى أنار الله لي خاطرا أرتاح له كثيرا مفاده “العبادة على الفطرة” وهي أشبه ما تكون بخطّة تلقائيّة تبني نفسها بنفسها كلّ لحظة وكلّ ثانية، حيث يجد الإنسان نفسه محرّرا من قيود الالتزام بأداء العبادة في وقت محدّد من اليوم (عدا ما ارتبط منها وقت بأمر من الله ورسوله)، وهنا أجد نفسي قادرة على الذّكر بصورة أكبر، وعلى تأدية جميع واجباتي بما فيها العبادة بصورة أكثر هدوءا ودون التزام بوقت أو بعمل قد لا أستطيع تأديته يوميّا، كقيام الليل، وقد قال الله تعالى في محكم التّنزيل {{فاتقوا الله ما استطعتم واسمعوا وأطيعوا وأنفقوا خيرا لأنفسكم ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون، إن تقرضوا الله قرضا حسنا يضاعفه لكم ويغفر لكم والله شكور حليم} و {لا يكلّف الله إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت..} من هنا نفهم أنّ العبادة أمر منوط بقدرة الإنسانِ على تأديتها، وحينما يتحرّر المرء من قيودٍ وضعها لنفسه في عبادة الله وعبادته بحيث ينبغي لما يفهمه عن استطاعته عبادةَ الله وقدر معرفته وإدراكه لله جلّ وعلا، يجعل في الطّاعة نوعا من الخشوع والرّاحة القلبيّة بالتّقرّب من الله لأن القلب حينئذ مهيّأ لاستغلال كلّ ثانية في سبيل التّقرّب من الله!

يجدر أن أنوّه بأنّي لا أعني تركَ الكتاب والسّنّة والتّفرّغ لما يمليه الوقت والقدرة، إذ أنّ كلّ مسلم بطبيعة حاله يقوم بما فرض عليه دون تذمّر في الغالب ، ولن يكون رمضان صعبا يدعو للتّذمّر حدّ التّخلّي عن الصلاة مثلا أيّا كانت الأسباب، خاصّة مع ارتقاء الإنسان برفاهيّته اليوم، أمّا سنّة النّبيّ فهي نافلة يقدم النّاس بجبلّتهم على كثير منها عمومًا، فإن وافينا منها ما استطعنا، وأكرّر ما استطعنا وزدنا عليها سنّة حسنة بإدامة الذّكر وتأدية الطّاعات المختلفة التي لم يرد ذكرها في السّنّة النّبويّة الشّريفة (ما يسمّى بالبدع الحسنة عند بعضهم، بينما أفضّل تسميتها سنّة حسنة) كان لنا في ذلك أجر والله تعالى أعلم.

إنَّ السّعي إلى تطبيق خطّة رمضانيّة وضعها الآخرون لنا أمر صعب لا يوافق قدراتنا أحيانا أو قد لا يوافق برنامجنا اليوميّ، لذا يقوم المرء طبيعة الحال بتأدية طاعة ترضي الله عزّ وجلّ ثمّ ترضيه ممّا يجعل تأديتها أمرا مريحا وممتعا، فيدوم وإن قلّ، أو يزيد بإذن الله. في الجامع الصّحيح يذكر الإمام البخاريّ رحمه الله عن النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم قوله  “أحب الأعمال إلى الله: أدومها وإن قل”، وعساه دائما فائضا بإذن الله

ختاما نسأل الله العليّ القدير أن يجعل رمضان دائم الرّحمة بنا، منيرا قلوبنا على طاعة الله ما استطعنا بإذنه

كلّ عامٍ وأنتم إلى الله أحبّ وأقرب.

Advertisements

5 comments

  1. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
    أسأل الله ان يعيننا على صيام وقيام رمضان، وان يرحمنا ويغفر لنا ويعتقنا من النار.
    جميل ما كتبته أختي العزيزة، ويجب على كل منّا أن يعود نفسه على قدر الإستطاعة، ليبني له خطة او جدول محاسبه بحسب ما يتوقع بأنه يستطيع ان يطبقه، ويبدأ بتطبيقه لأسبوعين مثلا، ويجاهد نفسه في تطبيقه بشكل كامل، وهنا تعتاد النفس على هذا البرنامج وهذه الخطة، ومن ثم يزيد الخطة بعبادات اكثر ونوافل اكثر والأخذ بعين الإعتبار أنه سيستطيع فعلها، إلا أن يروّض نفسه لبرنامج عبادات “كبير” في رمضان بعون الله تعالى. وأصدقك القول بأن البرنامج الذي يضعه الإنسان لنفسه دون مساعدة أو “تدخل” من أحد آخر. سيسير عليه بكل حب وكل حماس…
    اخرجنا الله وإياكم من رمضان ونحن عتقاء من النار.. وليكن شعارنا لن يسبقني إلى الله احد.
    دمتم بحماس وعبادة

  2. أركان: إضافاتك قد أثرت القول. أعجبتني ترجمتك السلسة والموجزة بل والملخصة للمقال. كلّ رمضان وأنتِ بخير إن شاء الله.
    نجاح: كيف العبادة في رمضان؟ من ذاق عرف 🙂 الصّلاة والقرآن والقيام والتراويح والذّكر وصلة القربى و.. و.. جميعها عبادة.. حتّى ترك المعاصي عبادة يا أخيّة 🙂

التعليقات مغلقة.