النّمل الأشقر

بسم الله الرّحمن الرّحيم

النّمل الأشقر

              

ليلى عثمان

إنتشر النمل الصغير في بيتنا، كبر و نما. غذيناه بصمتنا، تركناه يتزاوج … و يتوالد .. نظرنا له من أعلى .. فرأيناه مخلوقا ضعيفا، حرام أن تدوسه الأقدام .. و لهذا .. استغل النمل طيبة قلوبنا فانتشر في البيت كالقمل، وصار يحفر بيوته تحت الأرض .. و يخزن مؤونته التي يسرقها من غذائنا .
كنت ألحظ أفواجه السوداء الصغيرة.. نمله تهمس في رأس نملة.. و أخرى تحتك بخلف التي تسبقها .. و كان يتسلق السقف أحيانا . وأتذكر حكاية أمي عن خالتي الطفلة :
( حين صار عمر أمي ثلاث عشرة سنه ..ولدت جدتي بنتا وفرح بها أهل البيت فرحا كبيرا .. فقد مضى زمن طويل لم تسكن الطفولة بيت جدي .. وفي اليوم الأول .. استيقظت جدتي من نومها لترضع خالتي الصغيرة.. فلاحظت النمل ينتشر في سريرها ..و انطلقت الحكاية بعد أسبوع في كل مكان .. أسبوع كامل سكن النمل خلالها مهد الطفلة..و لم يبق طبيب إلا و ذهبت إليه جدتي، و لم يبقى قارئ قرآن لم يدخل بيت جدي ليقرأ آيات من الذكر الحكيم على سرير الطفلة .. ووقفت جدتي يوم الجمعة كذلك عند باب الجامع.. تحمل فنجان الماء .. لينفخ فيه كل المصلين واحدا تلو الآخر , حتى الدجالون و صانعو الأحجبة .. لجأت إليهم جدتي لتنقذ الطفلة التي أشرق وجهها بالفرح على البيت .. ومن فيه . في النهاية … قررت جدتي ان تعلق الطفلة في السقف .. أحضرت سلة.. فرشتها .. ووضعت الطفلة ثم علقتها في السقف .. و نامت ليلتها مطمئنة.
في الصباح .. كانت المفاجأة : وجدوا الطفلة ميتة .. و لم يتبينوا ملامح وجهها أو … جسدها , فقد غطاه النمل الأسود . حكاية أمي عن أختها – خالتي – تتهادى مع كل سرب من أسراب النمل الذي يعيش في بيتنا .. فقررت أن اقتله.
صرخت بي أمي :
– لا تقتلي النمل يا عريب , هو مخلوق ضعيف .
لكنني كرهته ..و لم ألتفت لتنبيه أمي الدائم .. فقد صار النمل يملأ البيت .. في النهار أطارده .. وفي الليل يطارد رقادي , و حتى أحلامي … كنت أرى فيه فلول النمل تجتاح سريري .. ثم تتحد .. تتلاصق .. و تكبر .. حتى تصبح نمله واحده كبيرة ذات أرجل ضخمة ملئيه بأشواك ذات رؤوس .. تدنو مني .. تحاول غرس أشواكها في لحمي .. اصرخ فزعه ..
و تصحو أمي :
– ما بك يا عريب .؟
– الحلم…
– الحلم نفسه أليس كذلك؟
– نعم يا أمي …
و تحمل أمي طاسه الماء المعدنية المزخرفة بأسماء الله , و بالآيات الكريمة .. و تسقيني الماء .. تبلل جفاف حلقي .. و تعاتبني :
– قلت لك ألف مره .. دعي النمل .. و لا تؤذيه ..
لكن النمل صار مشكلتي ..و حين يأتي الصباح أنسى حلم الليل . اذهب إلى مدرستي .. عيناي تتحركان في كل اتجاه …ما إن أرى نمله حتى أسارع لأهرسها تحت قدمي .. و أحس بالمتعة تتسرب إلى نفسي حين أراها مسحوقه كجزء من تراب الشارع . و ذات يوم دخل إلى بلدتنا نمل غريب .. نمل أشقر طويل و نحيف .. شره .. يلتهم كل ما يراه ..و تمتد رجله و أيديه لتسرق كل ما في البيوت … و نسيت النمل الأسود …و بدأ خوفي من النمل الأشقر … و بدأت أطارده , و في طريق العودة من المدرسة , كنت أمر على دكان (أبو مسامح), أقف أراقبه يكيل السكر .. فتتناثر الحبات الحلوة و يتهافت النمل , فاعترض :
– لا تقدم الوجبة للنمل يا (أبو مسامح) .
فيزجرني بصوته الخشن :
– ما عليك من النمل .. هذا مالي , و أنا حر فيه .
– لكن هذا النمل صار يملأ المكان ..
– هذا النمل مخلوق ضعيف .. و البلدة الكبيرة تستوعب كثيرا من المخلوقات ..
– أمي تقول انه مخلوق ضعيف .. لكنني أراه شريرًا.. حين تنامون في الليل .. يتجمع .. تصبح الالاف منه واحده .. و تنقض على سريري .
يلوي (أبو مسامح) شفتيه .. فاتركه .. اشبك ذراعي بذراع صديقتي .. نسير معا .. عيناي تراقبان الأرض .. و عيناها تراقبان عيني .
– لماذا تكرهين النمل يا عريب ؟
– لاني أراه كالريح السوداء التي لا تبقي و لا تذر !
– انه مخلوق ضعيف.
– هذا ما يزعجني .. إن هذا التصوير سيجعله يتمادى . . و يحتل بيوتنا … و يأكل أرزاقنا .. و قد يسبب مرضا ما …و نمر على دكان (أبو مسامح) الذي صار يغيظني و ينثر حبات السكر فيجمع النمل و يزجرني لأبتعد .
جمعت رفيقاتي في المدرسة و قلت لهن :
– من منكن تريد أن تنضم لجمعيتي ؟
تضاحكن :
– جمعية ؟!
– نعم … جمعية محاربه النمل الأشقر .
هزئن بي .. حزنت .. لكنني لم استسلم لحزني.. فقد كان خوفي اكبر …
حاولت , و حاولت مع كل من أراه .. زميلاتي في المدرسة.. أبناء الجيران .. و البائعين الصغار من الأطفال … صرنا سبعه .. صرنا عشرين .. صرنا .. مائه …
لكن النمل يزداد … و يزداد .. و في الليل يصير نمله واحده
أعلنت جمعيتنا عن أهدافها :
لوحظ تزايد النمل الأشقر في بلدتنا .. و عليه يجب مكافحته.
مررت على دكان (أبو مسامح) نثر سكره كعادته .. قلت لرفيقتي :
– انظري .. إنه يتحدى جمعيتنا .. سأشكوه لدائرة التموين .
لكنني بعد أيام من شكواي .. فوجئت بالنمل الأشقر يملأ الدائرة , فسارعت إلى مركز شرطة المدينة .. و شكوت الدائرة , فرأيت بعد أيام شرطه المركز تسلم النمل الأشقر أكياس الأرز … و … بعض المؤن .
لمن أشكو مركز الشرطة ؟؟
آه !!.. للحكومة … أمي حين سمعت ما انويه قالت :
– الحكومة أعلنت عن جائزة كبيرة لمن يحول مسار النمل المنتشر إلى مقرها …
– و لماذا ؟
قالت أمي :
– لتحصر انتشار النمل كما تقول …
و تركت أمي تحلم بالجائزة مثل كثيرين .
و صار السكر الحلو يرش و يفرش في الطرقات …إلى مقر الحكومة التي أعلنت أنها سوف تحضره إلى مقرها .. ثم تقضي عليه . رفضت و زملائي في الجمعية الذين تجاوز عددهم الألف … رفضنا عرض الحكومة … و استمرت مقاومتنا للنمل في الشوارع و في الحوانيت … و استخدمنا في ذلك كل الوسائل .. الحصى … و الأحذية .. و المبيدات .. و أيضا استنفار اكبر عدد ممكن من الناس ضده .. و أعلنت الحكومة غضبها علينا .. و حين كنا في المدرسة , جاءت الشرطة فسحبت مجموعه كبيرة منا إلى رئيس الشرطة .
صرخ في وجوهنا :
– انتم تخالفون أوامر الحكومة … لماذا .؟
قلت بحماس :
– لأنها تشجع تدفق النمل إلى بلدتنا.
صفعني .. و كانت يده رطبه .
قال:
– نحن نريد أن نحصر النمل في مكان واحد … ثم نكافحه .
لم ترهبني الصفعة .. قلت :
– بل تفتحون له الدوائر … و المكاتب .. و الحوانيت .
– نعم .. نفعل هذا – و هنا – نبيده بطريقتنا الخاصة , نعطيه سموما .
– كم ألفا قتلتم ؟
نفخ في وجهي … ففاحت رائحة سجائره :
– لم يمت بعد و لا عشره .
صفقت بيدي :
– عظيم .. عظيم … و أين مفعول السموم ..؟؟
قلدني .. صفق بعصبيه واضحة :
– مفعولها يظهر بعد فتره .. يتضاعف حجم النملة .. تكبر .. حتى تصير حجم الصرصار ..
و أشار إلى وجهي …
قبلت الاهانه … و قلت :
– و بعد ؟
فأجاب :
– بعدها نطلق عليها النار … فنصيبها .
– غدا نرى
و نظرت إليه بحقد و أنا أكمل بداخلي :
– غدا نرى .. أيها الغبي
أذيع للمرة العاشرة:
“أيها المواطنون، لقد كبرت أحجام النمل، وأصبحت الحكومة غير قادرة على مكافحته والقضاء عليه، لذا نرجو إخلاء المنازل لمدة قصيرة، حتى تتمكن الحكومة من رش السموم وتطهير البيوت، وبعدها سنعلن عن موعد العودة.”
 قال لي احد الزملاء من الذين قرروا البقاء مع مجموعات أخرى :
– لا تخشي يا عريب – سنبقى نحن هنا بانتظاركم، و سنقضي على النمل.
وفي طريقنا إلى قرية مجهولة , و تحت إلحاح أمي و خوفها كنا نسير، تحمل هي بعض الأشياء , و احمل أنا كتبي … و شهاداتي و حزني، و حين لاحظت أمي نمله في الطريق صرخت بي :
– عريب , تلك نمله، اقتليها. و حين فعلت … انخرطت أمي في بكاء استمر أعواما طويلة

Advertisements

2 comments

التعليقات مغلقة.