حاسوبٌ بين دفّتين!

بسم الله الرّحمن الرّحيم

أعجب من نفسي كثيرا كيفَ أجلسُ أمام الحاسوب ساعات طوال، أجلسُ فأنظرُ المواقع وأتصفّحها وأنتقل بناظريّ بين حوارات قد تطول أو تقصر، وقصائد معظمها قبيح وقليلها النّادر جميل، وكتبٍ أحمّلها على جهازي ثمّ لا أقرؤها، أو قلّما أفعل (لا أدري لمَ) وفي النّهاية، أبدأ.. أقوم إلى المكتبة، أختار كتابا ثمّ أعود أتصفّحه أمام الحاسوب!

عقدة؟ عادة؟                                                                

أسأل نفسي بعد لحظات تتفاوت في مداها: لماذا أجلسُ أمام الحاسوب ما دمتُ لا أحتاجه؟

ثمّ أضحك من سذاجة أفكارٍ تجول في خاطري، أحاول أحيانا أن أقنع نفسي بأنّها ليست السّبب لحقيقة وجودي أمام الحاسوب، علما بأنّي لا أستخدمه لاعتباراتٍ تلحّ عليّ لأفعل (أو ربّما تلحّ، لا أعلم).

أجدني في الواقع أتصفّح الكتاب الذي بينَ يديّ أمام جهاز الحاسوب انتظارا لأمورٍ كثيرة تعالوا أعدّها لكم:

أ‌-      أنتظر رسالة من لا أحد

ب‌- أنتظر دخولَ أحدٍ غيرِ محدّد إلى “المسنجر” رغم أنّي قد حظرت اتّصال 160 من أصل 168، وحالة الظهور عندي غير متّصلة.

ت‌- أنتظر أيّ خطأ نحويٍّ قد يلوِّح لي ولا أراه لأنّي منشغلة بأمرٍ أقومُ بقراءته.

ث‌- أنتظر أيّ تعليقٍ في الفيس بوك في وقتٍ أجدهُ صارَ مملا!

ج‌-   أتصفّح مدوّنتي بين كلِّ استراحة وأخرى وأنا على يقينٍ بأنّي لن أجدَ شيئا جديدا كتبته بنفسي ولم أقرأه بعد!

ح‌-   لا أريدُ لأحدٍ أن يجلس أمام الحاسوب عداي، لأنّي لو أخطأت فقمت فلن أستطيع العودة إليه إلا بعد ساعتين أو أكثر بسبب الحرب عليه في المنزل.

خ‌-   أنتظر أن تظهر أيّ علامة بعد السّاعة العاشرة مساءا J

مقنع؟

إنَّ تصفّحي لكتابٍ ما أيّا كان وانشغالي عن الحاسوب به، وعدم ابتعادي عنه في الوقت ذاته ما هو إلا إدمان لا طائل منه.

طيّب؟

ما دمتُ في قرارة نفسي أعلم بانّ جلوسي هذا أمرٌ لا طائل منه وأنّه إدمان بل وربّما مرضا! لماذا أداوم على ذلك؟

لربّما صار حريّا أن أنوّه بأنّ “عقدة” التزامِ الحاسوب ومتابعته بما يفيد ولا يفيد قد نشأ من التزامنا بممارسته حتّى صار “عادة”، وعلى حينِ غرّة؛ ودونَ سابق إنذار صار إدمانا، حتّى إذا ما حاولنا الخروج من حدوده والجلوس مع الأصدقاء والأقارب أو فعلَ أيّ شيءٍ آخر سنرى أنفسنا نتشتغل به عنه كما لو كان يحدّدنا بدلا من أن نحدّده.. صار جزءًا منّا.

صار عقلا؟

الحاسوب جسد كامل مجسّد فينا، له عقل يفكّرنا، وقلب يحكي إحساسنا. له حركات وسكنات. ينام ليلا ويصحو صباحا معنا. يأكلنا ويشربنا، يقرأ ويكتب ويرسم، ثمّ لا يفعل أيّ شيء.. الحاسوب ذات من ذواتنا، ما يميّزها أنّها تُخلق بإرداتنا.

ومن نحن؟

أوه! سؤال قاتل. وأنا الآن أمام حاسوبي أكتب هذا الموضوع “لنا” أصير جزءا منه!

هل أنتِ راضية؟

لا، ولكنّي لستُ ناقمة أيضًا! عادي. أليسَ البشر كلّهم كذلك؟!

.

.

.

___

صدّقوني أخوتي وأخواتي الكرام لو تابعتُ هذا الحوار مع نفسي لما انتهيت، والأدهى أنّي أعيده كلّ يوم، ولا ينتهي!

إلى متى؟ لا أحد يعلم سوى الله. كلّ ما نعلمه أنّنا صرنا إلى ما نحنُ فيه بإيدينا، وقادرون أن نعيد عادةُ بدّلناها بأخرى، ونعيد الحاسوب إلى اعتباره فيصير:

كمالات في الحياة.. ضرورات في الحياة! وفي صراعٍ حتّى النّهاية!

Advertisements

5 comments

  1. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ,

    بارك الله فيك وجزاك كل الخير ….
    فعلا ما قلته صحيح .. ولكنني صراحة أظن ان الحاسوب يقترب إقترابا شديدا ليكون ” من ضرورات الحياة ” وليس ” كمالات الحياة ” … ولا أعتقد ان احدا يُنكر هذا , خصوصا طلاب الجامعات .

    بوركت
    والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

  2. السلام عليكم .
    معظمنا يُفكّر بما فكرت به .. ولكن فرق بيننا وبينك يأبى ان يكون مشتركاً لمرة واحدة ..
    نراك قد تجرأت على افكارك وازحت الحاجز الذي يفصل بين انّ تظل افكار حبيسة الذهن وبين ان تصبح جملاً مترابطة وكلمات مفهومة .
    أمّا نحن .. فحقاً ليست لدينا الجرأة الكافية على كتابة حالنا في كلمات.. فنحن نخاف من حساب انفسنا امام ذواتها ومعقابتها .. فكيف لنا ان نكتب ونعبر عنها في العلن !!
    مرة اخرى .. انت حقاً رائعة
    دمت .. ودام قلمك .. ودامت أفكارك ..
    تذكري انك تركت بصمة لا تزول في آخرين ..حاولي اضافتها الى القائمة أعلاه.

    وفقك الله 🙂

  3. tadwena gamela
    walakeeen!!!

    3endma ofkker bema tofkeren la asm7 lenafsi ela aged 7lol 3amaleya..

    7awli an takomi bay fe3l 5er fe kol golos.. haza sawfa yo3aleg elkatherr

    met2sef 3la el engloarabic

    Asi Omar
    18.2.2010

  4. الأطرشي أبو إسحاق: أوافقك طبعا بأنّه ضروريّ للجامعة، ولكنّي لا أفترضُ أنّي سأوافق على جعله ضرورة ملحذة في كلّ شيء 🙂 حتّى في شؤون الجامعة: يبقى الأمر نسبيّا. شرّفتنا أبا إسحاق أنتَ وآراؤك :).

    الفتاة: صراحتي تزيل عنّي شبهة حذلقتي إذا 🙂 ما يثير أنّي أكتب الآن بأسلوبٍ لا أراه أسلوبي ولكنّه يروقني “أحيانا” 🙂

    القائد العمريّ: الإنجلو عربيّة بالاصطلاح العربيّ المنحوت نقحرة وهي بحلّ النّحت نقلُ حرفٍ عن حرف 🙂 أمّا عن الحلول فقائمة، ولكنّها رغمَ ذلك تسعى إلى تشكيل صراعات حواريّة أخرى داخل الذّات. حبّذا لو تقرئنا من تجاربك بعضها. 🙂

  5. اكتفي بكلمة .. جميل جدا !
    فكرة رائعة وجعلت المدونة أروع !

    دمت بخير..سلام !

التعليقات مغلقة.