إنارات حسنيّة

بسم الله الرّحمن الرّحيم

بقلم: الشّيخ حسن حيدر

DSCF0185

الحمد لله مستحقّ الحمد بلا انقطاع، ومستوجب الشّكر بأقصى ما يستطاع، الوهّاب المنّان، الرّحيم الرّحمن، ، المدعوّ بكلّ لسان، المرجوّ للعفو والإحسان، الذي لا خيرَ إلا منه، ولا فضل إلاّ من لدنه، وأشهد أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له، الجميل العوائد، الجزيل الفوائد، أكرم مسؤول، وأعظم مأمول، عالم الغيوب، مفرّج الكروب، مجيب دعوةِ المضطرِّ المكروب، وأشهد أنَّ سيّدنا محمّدًا عبده ورسوله، وحبيبه وخليله، الوافي عهدَه، الصّادق وعدَه، ذو الأخلاقِ الطّاهرة، المؤيّد بالمعجزات الظّاهرة، والبراهين الباهرة، صلّى الله عليه وعلى آله وأصحابه وتابعيه وأحزابه، صلاة تشرق إشراقَ البدور.

{ يا أيّها الذين آمنوا اتّقوا الله حقّ تقاته، ولا تموتنَّ إلا وأنتم مسلمون} (سورة آل عمران، الآية 102.)

إنَّ الله عزّ وجلَّ خلقَ الإنسانَ في أحسنِ تقويم، ثمَّ جعله مفضّلاً مكرّمًا على كثيرٍ من خلقه لقوله –سبحانه وتعالى- { ولقد كرّمنا بني آدم وحملناهم في البرِّ والبحر ورزقناهم من الطّيّباتِ وفضّلناهم على كثيرٍ ممّن خلقنا تفضيلا} (سورة الأعراف، الآية 70)، وجعل التفاضل بينهم قائمًا على التّقوى والعمل الصّالح وليس على الظّاهر والشّكل لقوله -سبحانه وتعالى- { يا أيّها الناس إنّا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبًا وقبائل لتعارفوا إنَّ أكرمكم عند الله أتقاكم} (سورة الحجرات، الآية 13)، والنّبيّ صلّى الله عليه وسلّم يؤكّد هذه الحقيقة، فعن أبي هريرة رفعهُ إلى النّبيّ صلى الله عليه وسلّم ” إنَّ اللهَ لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أجسامكم ولا إلى أموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم” (رواه مسلم وغيره)، ويقرّر مبدأ المساواة بين بني البشر لقوله –صلّى الله عليه وسلّم- “النّاس سواسية كأسنانِ المشط” (رواه الدّيلميّ) وقوله ” لا فضل لعربيّ على أعجميّ إلا بالتّقوى” (رواه أحمد وأبو نعيم).

موضوع خطبتي اليوم يتعلّق بإخوةٍ لنا في الإنسانيّة، قد تكون قضيّتهم مهمّشة في أيّامنا، وفي حياتنا، وقليل من النّاس من يلتفت إليهم  ويراعي مشاعرهم واحتياجاتهم، أولائك هم المعاقون، وذوي الاحتياجات الخاصّة.

والمعاق هو الشّخص الذي أصيب بقصورٍ أو نقصٍ في وظيفةِ عضوٍ من أعضاءِ جسمه تؤثّر على نشاطه العقليّ أو النّفسيّ أو البدنيّ، ممّا يجعله غير قادر في كثير من الأحيانِ على القيام بوظائفه في الحياة كالإنسان السّويّ، وقد يحتاج إلى مساندة ومساعدة من غيره للقيامِ بوظائفه الحياتيّة والاجتماعيّة.

لقد اهتمَّ الإسلام كثيرًا بالمعاقين، ودعا إلى احترام إنسانيّتهم  ومشاعرهم، والعمل على مساندتهم والاهتمام بحقوقهم، ودمجهم في الحياة الاجتماعيّة، فهم  قبل كلّ شيء أخوة لنا في الإنسانيّة ابتلاهم الله عزّ وجلّ بهذه الإعاقة، ولم يختاروا ذلك بأنفسهم، ولكنّ الله عزّ وجلّ هو الذي ابتلاهم بها، ولله في خلقهِ شؤون، وقد يكون هذا المعاق أفضل وأحبّ إلى الله من الإنسانِ الصّحيح إذا صبر على هذا البلاء، أو على هذه الإعاقة لقول النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم “إذا أحبَّ الله عبدًا ابتلاه”

وأيضا جاء في الحديث الذي رواه النّبيّ عن ربّ العزّة إذ يقول ” إذا ابتليتُ عبدي بحبيبتيه (أي عينيه) فصبر عوّضته منهما الجنّة” (رواه البخاريّ) بل جعل النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم الإحسان والاحترام لهذا الفئة الضعيفة سببا في نزول الرزق والنّصر على الأعداء فأوصانا بهم بقوله –صلّى الله عليه وسلّم- “أبغوني في الضّعفاء فإنّما ترزقون وتنصرون بضعفائكم (رواه مسلم وأحمد).

وبلغ من تكريم هذا الدّين للمعاق أنّ الله عزّ وجل عاتب حبيبه ورسوله محمّدًا صلّى الله عليه وسلم عندما عبس في وجه الأعمى الصّحابيّ عبد الله بن أمّ مكتوم رضي الله عنه، وأعرض عنه لانشغاله بدعوة سادات وأغنياء مكّة طمعًا في إسلامهم ودخولهم في هذا الدّين، وعندما أنهى الرّسول صلّى الله عليه وسلّم كلامه معهم نزلت الآيات تخلّد هذه الذّكرى وتشرّع إلى أبد الدّهر وجوب الالتفات والاحترام لمشاعر هذه الفئة، ويقول سبحانه وتعالى {عبس وتولّى^ أن جاءَه الأعمى^ وما يدريك لعله يزّكّى..}

ومن ذلك اليوم ما فتأ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يكرم هذا الصّحابيّ الكفيف ويدنيه من مجلسه ويسأله عن شأنه، ويجتهد في إكرامه، وكان كلّما لقيه بسط له رداءَه وقال له: “مرحبا بمن عاتبني فيه ربّي”، بل بلغ في تقدير النّبيّ له أن عيّنه ثاني مؤذّن في الإسلام بعد بلال واستخلفه واليا على المدينة مرّات عديدة، كانت إحداها يوم غادرها الرّسول صلّى الله عليه وسلّم لفتح مكّة، وهذا الصحابيّ عبد الله بن أمّ مكتوم رغم عماه تقلّد أعظم الأوسمة في أعظم الحروب التي خاضها المسلمون. في معركة القادسيّة كان حاملا للواء المسلمين واستشهد وهو يعانق هذا اللواء.

بعد وفاة النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم اعتنى الخلفاء والحكّام برعاية شؤون المعاقين وتوفير الخدمة اللائقة بهم، فقد كان الخليفة عمر بن الخطّاب رضي الله عنه يقوم شخصيّا بخدمة المعاقين وقضاء حوائجهم، فقد أورد ابن الجوزيّ في كتابه “مناقب عمر بن الخطّاب” هذا الموقف العظيم الجليل لعمر فقد روى الإمام الأوزاعيّ أنّ عمر خرج في سواد الليل فرآه طلحة رضي الله عنه فذهب عمر فدخل بيتًا ثمّ دخل بيتًا آخر فلما رجع ذهب إليه طلحة (أي إلى ذلك البيت) وإذا بعجوز عمياء مقعدة فقال لها “ما بال هذا الرجل يأتيك” فقالت: “إنّه يتعهّدني منذ كذا وكذا ويأتيني بما يصلحني ويخرج عنّي الأذى”، فقال طلحة: “ثكلتك أمّك يا طلحة، أعثرات عمر تتبع؟!”

وفي عهد الخليفة عمر بن عبد العزيز جعل لكلّ مقعدين خادمًا يخدمهم ولكلّ أعمى غلامًا يقوده. واهتمّ المسلمون على مرّ العصور بإنشاء المؤسّسات الرّسميّة التي ترعى شؤون المعاقين، فقد أسّس الخليفة الأمويّ الوليد بن عبد الملك بن مروان أوّل معهد للمعاقين عام 88هـ- 707م، ثمّ أسّس العباسيّون سنة 137هـ- 765م أوّل مستشفى خاص للمعاقين تولّى إدارته الطبيب الكفيف أبو الحسن البغداديّ، ثمَّ أنشأ بعد ذلك أحمد بن طولون في مصر مستشفى وسمّي البامرستان

والإعاقة لم تمنع كثيرا من المسلمين على مرّ العصور من الإبداع والتّألّق والتّفوّق في كثير من المجالات، وقد قيل قديما من كلام العرب “كم من ذي عرج في درج المعالي، وكم من صحيح قدم ليس له في الخير قدم” ويقول أحد الشّعراء المكفوفين

إنَّ الله يأخذ من عيني نورهما    ففي لساني وسمعي منهما نور

وقد ذكرت كتب التّاريخ العربيّة والإسلاميّة كثيرا من المعاقين المبدعين، من هؤلاء:

1-   أبّان بن عثمان بن عفّان رضي الله عنهما، كان به صمم وحول وبرص ثمّ أصابه الفالج. ورغم كلّ ذلك كان أكبر فقهاء المدينة وعلمائِها، وقد عيّنه الخليفة عبد الملك بن مروان على المدينة سنة 76هـ.

2-   الأحنف بن قيس: وهو الصحابيّ الذي دعا له رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فقال” اللهمّ اغفر للأحنف” والذي كان مشهورًا بالحلم فقيل: “أحلم من قيس” كان في رجليه اعوجاج وكان ملتصق الفخذين، وكان أعرج قصير القامة ومع ذلك كلّه جمع خصال الشّرف والسّيادة والحنكة والحزم والحلم، وقيل إنّه كان إذا غضب، غضب له ألف سيف لا يسألونه فيما غضب.

3-   الإمام الحافظ المحدّث محمّد بن عيسى التّرمذيّ صاحب كتاب “سنن الترمذيّ” وهو أحد الكتب السّتّة المعتمدة في الحديث عند أهل السّنّة، له مؤلّفات جليلة منها” كتاب الزّهد، الشّمائل المحمّديّة وغيرها، وقد كان كفيفا.

4-   موسى بن نصير القائد المسلم العظيم الذي فتح شمال أفريقيا والأندلس، وكان أعرجا

5-   أبو العلاء المعرّي الشّاعر المعروف، وكان كفيفًا.

6-   ومن المعاصرين الرّافعي، الذي له المؤلّفات الجميلة في علوم القرآن والأدب، وقد كان أصمًّا.

7-   طه حسين: عميد الأدب العربيّ وكان كفيفا

8-   الشّيخ عبد الحميد كشك الدّاعية الخطيب المعروف، وكان كفيفا

9-   الشّيخ ابن باز مفتي المملكة العربيّة السّعوديّة الرّاحل، وكان كفيفًا.

وهنالك العشرات، بل المئات من الأمثلة التي تعطي الأمل والمعنويّة لهذه الفئة بأنّ الإعاقة ليست عيبًا، ولا سببًا يمنع المعاق من التّألّق والتّأثير في المجتمع والحياة، وقد آن الأوان أن نغيّر نظرتنا وتعاملنا مع ذوي الاحتياجات الخاصّة بما يلائم ويناسب قيمنا الدّينيّة التي ذكرناها آنفًا، والتي تحثّنا على وجوب احترام المعاقين وتقديم الخدمات الكافية والملائمة لهم.

أسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفّقنا جميعنا لتحقيق هذه المعاني الجميلة، والمهمّات الجليلة، إنّه وليّ ذلك والله في عونِ العبد ما دام في عون أخيه.

Advertisements

3 comments

  1. إذا كان الإسلام قد حضّ على رعاية الحيوان والعناية به
    فكيف عساه ينظر الى ذاك الإنسان المعاق وهو الأولى
    بالرعاية ….

    أسعدكم الله ودمتم بخير

  2. السلام عليكمـ

    كلام جميل جداً ..
    ولهذا مضت فكرة الإسلام منذ عهد النبوة إلى وقتنا هذا وإلى قيام الساعة ،، فالإسلام جاء يراعي شؤون العباد جميعهم بكل تصنيفاتهم ..

    بارك الله فيك واعزك الرحمن
    دمت بخير

  3. الأخ حمزة: في هذه صدقت.. فالإسلام دين يراعي حقوق كلّ خلق، بورك فيك
    بحر الإبداع: نعم، استمرار الإسلام بما يوافق الزّمن بكلّ دواعيه وتداعياته يؤكّد على جلاله وعظمته وصواب توجهّه. بوركَ فيك

التعليقات مغلقة.