النّحو على القارعة

بسم الله الرّحمن الرّحيم

لغة

ألامُ كثيرًا على وقوفي عندَ ظواهر تعتبر للغالب اليوم ثانويّة وغير مهمّة، ومن ذلك وقوفي على النّحو وقواعده في جميع القراءات والمتابعات السّمعيّة التي أقدِم عليها.
إنّ حال النّحو العربيّ في إنشائِنا اليوم قد وُضِعَ على قارعة اللُّغة العربيّة، علمًا بأنَّه علم لغويّ يعالج الحالة اللهجيّة والاعتبارات الوظيفيّة للمفردات بناءً على موقعها في الجملة أو في النَّص، ويرجع سبب تأخّر النّحو إلى التّأخّر القرائيّ لدى الجمهور، ممّا حذا بالبعض إلى اتّباع وسائلَ ومعايير تنحّي النّحو في سبيل المعنى، فنراهم يقحمون الدّارجة، يسكّنون الأواخر، يضعون حروف العلّة مكان الحركات أو يلغونها بما لا يتلاءم مع القاعدة وما إلى ذلك. والحقيقة أنَّ علماء النّحو لو وجدوا في هذا الإخلال النّحويّ صوابًا وسهولة لما اعتنوا بناء منظومة معياريّة لقياس اللغة وظيفيّا، وكثيرة هي الشّواهد التي تدلّ أنّ للنّحو اعتبارات يجب عدم الاستخفاف بها، وذلك لضرورة تبيان المعنى كما ينبغي له أوّلا، الأمر الذي اعتبر ذريعة لترك النّحو، ولإجلال العربيّة التي لطالما كانت رمزا من رموز حضارتنا ثانيا، ولاحترام النّحو وآبائه الذين وضعوا هذا العلم منذ أمد، وساهموا في إفساح المجال لتطوّره مع الوقت ثالثًا.
وعلى ضوء ما ذكرناه، سوف نقوم بتوضيح بعض الحالات لأخطاء نحويّة شائعة، نحاول من خلالها التّخفيف من وطأتها وحدّتها، سائلين المولى جلّ وعلا أن يساعدنا في تأدية أقلّ واجباتنا نحو اللغة العربيّة.

أولا: الضّبط والشّكل السّليم: ومن دواعي الضّبط الحفاظ على الشّدّة ( -ّ )، لأنّها وسمٌ لاختفاء حرف داخل آخر، بما يسمّى بالمصطلح النّحويّ الإدغام، كما الحفاظ على أواخر الحروف لتبيين الغاية النّحويّة. نذكر كمثال على ذلك الآية القرآنيّة { إنّما يخشى الله من عباده العلماء}؛ في آية كهذه يجب توضيح الضّبط ليظهر اسم الجلالة على أنّه منصوب كمفعولٍ به، والعلماء مضمومة على أنّها فاعل فنقول {إنّما يخشى اللهَ من عباده العلماءُ} وهذه الحال لا تنطبق على القراءة السمعية فقط، بل على الإنشاء أيضًا، وهنا لن أغالي بذكر الأواخر، إنّما أذكّر بأنّ بعض المواضع إن لم تبيّن نحويّا بإظهار علامة إعرابها فقد تهدم المعنى أو تحوله إلى ما يعاكسه، كما لو افترضنا رفع اسم الجلالة في الآية السّابقة، وهذا لا يجوز لأنّ الله لا يخشى، بل العلماء هم الذين يقومون بفعل الخشية.
ثانيا: معرفة الأفعال في أزمنتها وقوالبها المختلفة، ففي اللغة العربيّة هنالك ثلاثة أزمنة متعارف عليها عند النّحويين هي الماضي والمضارع والأمر، كلّ منها ذو حالة نحويّة تحتمل عدّة قواعد ومعاييرَ يجب مراعاتها سأقوم بالتّركيز على بعضها
أ‌- حذف حرف العلّة من آخر الفعل المعلول في حالة الأمر وفي ذلك نذكر المثال الأشهر للفعل صلّى– والذي يتأتّى على هيئة صلِّ لفعل الأمر المذكّر (وحذف حرف العلّة علامة البناء لهذا الفعل)، أمّا في التّانيث فحذف العلّة واجب أيضًا ولكنّ صيغة الفعل النّهائيّة هي صلّي، والياء هنا ليست ياء من أصل الفعل، إنّما هي ياء المخاطبة التي تعدّ ضميرا متّصلا مبنيّا في محل رفع فاعل لتدليلها على خطاب الأنثى التي تقوم بفعل الصّلاة. لقد قمت باختيار هذا المثال للفعل صلّى لأنّ الخطأ فيه شائع خاصة في صيغ الصّلاة على النّبيّ (اللهمّ صلِّ …)، وصحيح أنّنا نستخدم صيغة الأمر في مخاطبة ذي العزّة والجلالة، ولكنّنا لا نعني الأمر فعلا، بل نضع الفعل في حالة نحويّة تقوم بمهمّة الطّلب، وتندرج في صيغة الأمر كما عرّفها النّحاة.
ب‌- حذف النّون من آخر الفعل المضارع المنصوب أوالمجزوم. هنالك مصطلح يسمّى بالأفعال الخمسة، ويعنى اتصال الفعل المضارع بفاعل يناسب فاعلا بصيغة: أنتِ، أنتما، أنتم، هما وهم، وتكون دلالتها ضميرًا متّصلا كواو الجماعة لأنتم وهم، وياء المخاطبة لأنتِ وألف الإثنين لأنتما وهما.
إذا اتّصل الفعل بفاعل يناسب هذه الضّمائر رفع في حالة المضارع بثبوت النّون نحو: تقومون، تمدحون، تسمعون وما إلى ذلك، ونصب أوجزم المضارع في حالة وجود حرفِ معنىً يدلّل على أحدهما بحذف النّون، كأن يتّصل الفعل بلن وهو حرف نصب فيصير الفعل: لن يقوموا، لن يمدحوا، لن يسمعوا، أو كأن يتّصل الفعل بلا الناهية وهو حرف جزم فيصير الفعل: لا تقوموا، لا تمدحوا، لا تسمعوا وغير ذلك. نلاحظ هنا أنّ حذف النّون يوجب دخول الألف الفارقة على واو الجماعة لتمييزها عن الفعل في حالة الرّفع لمعلول الآخر كأن نقول تدعو مقابل لن/لا تدعوا.
ج‌- تدعو/ تدعوا: لقد سبق وذكرنا في القاعدة السّابقة أنّ الفعل تدعوامميّز للأفعال المضارعة المنصوبة والمجزومة المخصّصة لجماعة المخاطبين، وما يميّز هذه الصّيغة دخول الألف الفارقة على واو الجماعة، وهذا ما يميّزها عن الفعل “تدعو” الذي يعتبر ففعلا للمخاطبة في حالة المضارع المرفوع.

سوف أتوقّف هنا، على أمل أن نبدأ بمعالجة لغتنا مبدئيّا بناء على هذه الملاحظات، وقبل أن أختم نقول: إنّما الأعمال بالنّيّات، ولكلّ امرئ ما نوى، ثمّ الحقّ أولى أن نتّبعه، فبعض النّيّات لا تكون مفهومة للآخرين، لذا نحاول أن نصيب الحقّ بنيتنا ما استطعنا بإذن الله!

بارك الله فيكم،؛ والسّلام عليكم.

Advertisements