أصحاب اللحى

 بسم الله الرّحمن الرّحيم

MansourDialogue_org

كنّا نجلس في قاعة من قاعاتِ التّدريس يومًا نتجاذب أطراف الحديث في مواضيع شتّى، وفي خضمّ تدوالنا وصلنا إلى الحديث عن الشّباب الملتزم في جامعتنا، وبطبعنا البشريّ بدأنا بتقييمهم كلّ من منظورها الذّاتيّ، وكان هذا جزءا من الحوار سمعته عنوة دون الخوض فيه لأبثه إليكم:

أحلام: لماذا يدرج الكثير من الشّباب إلى تربية لحاهم ما داموا لا يطبّقون الإسلام كما ينبغي؟

نهى: صحيح، فالغالبية منهم لا يتوانون عن النظر بحريّة إلى الفتيات، وقسم آخر يجلسون –عادي- بين زميلاتهم في الجامعة وقسم ثالث يتصرّف بشكل لا يليق به كمسلم..

إيمان: يا جماعة صلّوا على النّبيّ.. هذا الكلام لا يجوز، إن كان بعض منهم يفعل ما يسيء فهذا لا يعني أنّ الجميع كذلك

نهى: كلّه “فيه البركة”

إيمان: هذا الكلام حرام يا أختي

أحلام:الحرام أن نرى الخطأ ونحاول تفاديه لمجرّد أنّنا مسلمون! إنّ كثيرا من الشّباب “الملتحي” يسيء للإسلام، وصمتنا عن ذلك يعني أنّنا نذعن ونقبل بأخطائهم

إيمان: وهل إن لم نذعن على غير علمٍ لهم بذلك نكون قد فعلنا شيئًا؟ لا أظنّ! ربّما لا يتنبّه البعض منا لخطئه والحريّ بنا أن نوجّه له رسالة ليتوانى عن ذلك

نهى: هل تعتقدينهم يقبلون.. إنّهم معقّدون.. يدّعون أنّهم أفضل منّا وأكثر وعيًا وإيمانا منّا.. هل تقبلين لنا الإهانة؟

إيمان: إهانة ماذا يا أخيّة؟ إنّما الدّين المعاملة! هلّ جرّبت إحدانا التّوجّه بملاحظة لأخٍ لها ورفضها؟

نهى: إنّنا بغنى عن ذلك، تريدين أن يروّجوا عنّا شائعة بأنّنا “نتحركش” بهم؟

إيمان: لا حول ولا قوّة إلا بالله.. أصحاب اللحى سيفعلون ذلك؟ هذا حكم لا يجوز!

أحلام: ولماذا لا يجوز؟ ثمّ تعالى إلى هنا.. هل لكِ علاقة بأصحاب اللحى حتّى تحتدّي لهم على هذا النّحو؟

إيمان: أراكما تهاجمانني وتهاجمان كلّ من يخالفكما على قاعدة “خالف تعرف”

نهى: أنت الذي يخالف يا إيمان، تقولين كلاما غير مفهوم، هل تريدين منا التّوجّه إلى شبابٍ لا يحترمون السّنّة التي في محيّاهم لنقول لهم: أخطأتم.. إذا كانوا بأنفسهم لا يفقهون ما معنى الخطأ

إيمان: لا زلتِ تعمّمين!

نهى: لا دخان بدون نار، كلّ الرّجال هكذا، ونعيب على الملتحين ذلك أكثر من غيرهم!

إيمان: طيّب لأفترض أنّ ما تقولينه صحيح، هل ترين أنّ اللحى يجب أن تحلق حتّى يصل كلّ منهم إلى مرحلةٍ لا يخطئ فيها أبدًا!

أحلام: هذا مستحيل، نحن لا نطلب ما يخالف مشيئة الله! ولكن نقول، الحقّ أولى أن نتّبعه! وإن كانوا لا يستطيعون اتّقاء الحقّ فليتنازلوا عن اللحية خيرا من ترويجهم أفكارا تؤذي الإسلام وشريعته!

وللحديث بقيّة..

أتوقّف هنا غير مستفيضة في كل ما قيل لأعرض لكم حجم الأخطاء وعددها في هذا الحوار، إلى جانب ما له من إيجابيّات أيضًا، مع التّنويه إلى أمرين

أوّلهما أنّ الأسماء المذكورة مستعارة!

وثانيهما: أنّ تعقيبي على الحوار وجهة نظرٍ خاصّة بي، يمكن لغيري أن يقبلها أو يخالفها!

وبالاستعانة بالله جلّ وعلى نقول:

إيجابيّات هذا الحوار كانت كالتّالي:

أوّلا: عرض كثيرٍ من الظّواهر والحالات عند الشّباب والفتيات، والتي تخالف الشّريعة والعادات كذلك، فعند شبابنا الملتزم مثلا عادة إطلاق اللحية وتهذيبها، دون مراعاة عواقب العيون التي ترقب كلّ سلوكٍ لصاحبها، ونظرًا لكوننا نعيش في مجتمعٍ تختلط فيه الثّقافات والدّيانات، فالحريّ بنا أن نفهم بأنّ اللحية رمز من رموز ديانة الإسلام، وكما يتّضح من الحوار فإنّ هذا التّقييم للحية لا يكون عند ذوي الديانات والثقافات الأخرى، بل وحتّى الإسلاميّة منها، وأيّ سلوكٍ إيجابيّا كان أم سلبيّا سيحسب على الإسلام قبل أن يحسب على الشّخص بعينه، مع الانتباه إلى القاعدة التي تقول بأنّ كل ابن آدم خطّاء، والحق أن نراعي الخير والصّواب ما استطعنا!

مشكلة أخرى ظهرت في الحوار يمكن أن نحيط بها هي كيفيّة إدارة الحوار وتوجيه النّقد، مّما يجعلنا نفهم، بأنّ طريقة الحوار هنا لا تقوم على أسس الحوار النّاجح، وكثير من الألفاظ فيه تجريحيّة وغير موضوعيّة ممّا يستوجب إعادة صياغة، وتحسين أداء، مع مراعاة وجود أهداف تنبثق من وراء ذلك، هذا ناهيك على الغمز واللمز، مع عواقب التعميم والنّميمة والغلوّ والتّركيز على الذّمّ لا المدح وما إلى ذلك من سلبيّات الحوار!

من خلال هذه المشكلتين بالذّات يمكن لمستمع جيّد أن يلمّ بها، وأن يخبر عنها ويعمّمها لمراعاة عدم الوقوع بها قدر المستطاع، والمساهمة في خلقٍ أفقٍ جديد يؤدي إلى بلورة شخصيّة أكثر نقاءً وقربًا من الله جلّ وعلا، ثمّ من الذّات الحقيقيّة!

ثانيًا: إنّ وعيَ الخطأ من الصّواب أمر يوحي بالطّمأنينة نوعًا ما، فما زال شبابنا يفقه معنى الخطأ، ولكنّه أحيانا يستوعبه من الخارج ولا ينظر من بقعة أقرب إليه، هي الذّت، وسوف نتحدّث عن ذلك لاحقًا

ثالثا: إنّ مجرّد خوضنا في مواضيع كهذه يقول بأنّنا لم ننحطّ حدّ التهائنا بأمورٍ ثانويّة جدّا، وتركِ أمورٍ نحن بحاجة إلى تناولها للسّعي في تطويرها وتحسينها، وأجزم بأنّ الأخوات “أحلام” و”نهى” يتحدّثن من منطلق انزعاج لحالِ الشّباب الملتزم لا نقمة عليهم وإن كنتُ أخالفهم في كيفيّة عرضهم للمشكلة والتّعامل معها!

أمّا السّلبيّات لهذا الحوار فهي كثيرة

أوّلها: أنّ الحلول التي نطرحها للمشكلة لا تكون بسيطة، وأنّنا نسارع دومًا في إطلاق الأحكام المسبقة والنّتائج السريعة المأوّلة وغير المجرّبة، ممّا يجعلنا نقف مكبّلين، تواسينا الكلمات في التخفيف من حدّة ألمنا لهذه الظّواهر، والتي قد لا تكون شائعة كما قيل أعلاه، لكنّها موجودة ولا شكّ لدى البعض من شبابنا وشابّاتنا!

ثانيهما: إنّ المشاكل التي مهّدنا لها في ذكرنا للإيجابيّات توضّح بشكل صارخ على حاجتنا إلى حوارٍ ناجح في المقام الأوّل، وعقل قادرٍ على تنظيم الفكرة، وإرادة قوية في السّعي نحو التّغيير، وبما أنّ الحوار يوجز حجم المعاناة التي نحن بصددها، فلا بدّ لنا أن نتحرّك لفعلِ أيّ شيء نراه خيرا لأنفسنا ولمجتمعنا ولديننا، وقد كانت هذه الرّسالة رسالة سيّدنا محمّد –صلّى الله عليه وسلّم- الذي حمل الرّسالة وجابه بها كلّ الصّعاب لتقوم أمّة الإسلام على أكتافِ سعيه الحثيث، وسعينا للحقّ أيّا كانت النتائج هي الطّريق إلى الإصلاح في سبيل الله! في هذا المقام نقول للأختين نهى وأحلام: خير أن نرى المشاكل ونقيّمها بصورة قويمة، ثمّ نسعى ولو بنصيحة لأخٍ لنا نراه يخطء، فلو وقعنا في شرك ما ادّعيتما بأنّ الأخوة سيروّجون عنكم سمعة سيّئة لا سمح الله حينها لا نملك لذا إلا الدّعاء، وكلّي يقين بأنّهم لن يفعلوا.. والله أعلم!

ثالثهما: إنّ ملاحظتنا لأخطاء غيرنا خير كما سبق وأسلفنا لما في ذلك من انعكاسات تدلّ على الوعي، ولكن لمَ نحاول دائمًا أن نلاحظ أخطاء غيرنا بسرعة ولا ننتبه لأخطائنا؟ أوليس الحكم السّريع على اللحى، وأصحاب اللحى يستوجب قبلها وجود إمكانيّة للحلّ؟ ولمَ التّعميم، فكما قالت إيمان هذه القضيّة محدودة الوجود ومعظم الملتزمين الملتحين لا يخطئون حدّ هذا الوصف الذي ذكر؟ الخطأ الذي ينبغي لنا الانتباه له قبل ذلك هو خطأ استدراكنا لحالنا، وعدم موضوعيّتنا حدّ الإقذاع والإحالة.. لذا ينبغي لنا أن نتعلّم النّقد الذّاتيّ قبل أن نستدرك نقد الآخرين أيّا كانتِ الحاجة، وأن نتعلّم أسس الحوار لنمارسه بحقّ، ولنتقدّم خطواتٍ في سبيل السّعي إلى ما هو خير بإذن الله

أتوقّف إلى هنا، وأترك لكم المجال لتنظروا في الحوار، علّ لكم وجهات نظر أخرى أو إضافات قد تفيدنا بإذن الله

وأذكر أخيرًا: أنّ المنفعة هي الغاية الأسمى من نشر موضوع كهذا، لا تناول الآخرين بسوءٍ لا سمح الله

بارك الله فيكم ولا تنسونا من دعائكم !

 

Advertisements

9 comments

  1. عم أختي في الله هذا الموضوع يجب مناقشت÷ حتى نبين حقيقة الإسلام.

    من جهة أخرى مع الأسف أرى في محتمعاتنا العربية، من يقرر أن يلتزم إن كان رجل أطلق اللحى وقصر الثوب ووضع مسواك في فمه، حتى يعرّف الناس بأنه ملتزم.

    وأما الفتيات فإنهن يضعن العباءة فوق الرأس ويرتدين القفازات والجوارب السوداء، ويمتنعن عن حظور الأفراح.

    وهذه لا اعتقد أنه مؤشر على سلامة العقيدة، فلابد لنا من التغيير من الداخل إلى الخارج، لا من الخارج فقط، لذلك أجد بعضهم بعد فترة يمل ويعود لحياته السابقه، لأنه ارتبط بالإسلام ظاهريا فقط، وليس باطنيا.

  2. أخيتي الحبيبة: الشّجرة الأم
    إنّ من دواع سروري أوّلا أن تكوني واحدة من اهل الأثير
    عرضي لموضوع كهذا يا أخيّة لم يكن بداعي التّدليل على الشّكل لكثير من الأخوة المتلزمين بغية ذمّهم.. حاشا وكلا.. فهم أوّلا وأخيرا محسوبون عليّ أخوة كرام، ولكنّي قصدت التّدليل على كيفيّة إدارة الحوار وإسقاط نتائجه فعليّا
    آمل من الله أنّي بلغتك
    السّلام عليكم!

  3. كانت الزيارة الأولى لجميلتك
    حرفك الراقي شدني كثيراً
    عزيزتي
    المصيبه الكبرى
    أن هناك شعرة لانستطيع التفريق بينهما
    وهي الرياء وكل إبن آدم خطائون
    بمعنى أننا لانعلم هل ماأخطأ به من وسوسه شيطان ولأنه آدم الخطاء وليس ملائكه فنعذره
    أم أنه رياء وأخذ الالتزام مجرد حجاب لمايفعله ويتقرب من الناس
    صدقيني اختلطت المفاهيم
    ولكن مهما تحدثنا عن هذا الأمر
    فالفعل يثبت بالنيه
    والنيه لايعلمها إلا الله
    لكن بقي أن أشد على ماتفضلتي بذكره
    (النقدالذاتي )
    لو عملوا به الناس
    لأنشغلوا بأنفسهم عن مراقبة الآخرين

    شكراً جم موضوع رائع
    دمتِ بكل الخير

  4. أسعدك الله أهداف لايمكننا أن نحكم على أي شخص بمظهره وإن حكمنا على المظهر فليس بالضرورة أن تكون أحكامنا صحيحة ونحن شعوب نميل دائما الى التقييم والتجريد والمحاسبة ولو لم يكن لنا علاقة بالموضوع فهذا لايمنعنا من المشاركة في التقييم ولكن باعتقادي أن لكل شخص الحرية طالما لايؤذي غيره والله هو كفيل بالحساب والعقاب وشكرا للموضوع القيم ودمت.

  5. التعميم في اي موضوع هو خاطىء لا محال , بدليل ان اصابع يدينا تختلف عن بعضها , فلا يصح الحكم على الجميع من خلال الحكم على فرد بعينه..
    كما ان من اداب الحوار تقبل الاخر واحترام رأيه مهما كان , والحرص على عدم إيذائه بالكلام ..
    من رأي الشخصي لا اجد الشخص حتى يكون متديناً ان تكون له لحية , فالدين في القلب والعمل وليس في اللحية او غيرها , إلا انني لا احمل على من يربي اللحة ولكني اطلب من يربي لحيته ان يكون اهلا لها , لأنك كما قلتي يُحكم على الاسلام قبل المسلم
    موضوع شيق ودمتي بخير 🙂

  6. حيّاكم الله أيها الأخوة الأخوات
    ذكرى الجروح: بوركَ فيكَ أخيتي، وأصبتِ.. النّقد الذّاتيّ أساس الإصلاح!
    الأخ حسام: سعيدة جدا بوجودك أخي الكريم، ونعم المظهر الخارجيّ لا يعتبر مقياسا، وبذا اللحية لا تعتبر مقياسا، لكنها للأسف تعتبر رمزا شئنا ذلك أم أبينا
    الأخت نسمات: التعميم خاطئ خاطئ وصدقتِ واتباع آداب الحوار هي الحلّ!

  7. اممم مشكلتنا فالعالم العربي

    ان احنا المظاهر اهتمامنا الاكبر

    لهالسبب للاسف تفكيرنا يكون سطحي

    ما نهتم بالجوهر والمحتوى

    تلفت انظارنا القشور!

  8. مساء الخير

    اتفق مع من ذكر بأن الكثير في مجتمعاتنا العربية تحديدا ً تغرها المظاهر فحين ترى اللحية والثوب القصير اطلقت عليه ملتزم بصورة مباشرة دون أخذ تصرفاته وتعاملاته مع الآخرين بعين الاعتبار
    شيء آخر من خلال موضوعك تطرقتي له وهو أهمية الحوار وأدبه ، فالتواصل مطلوب مع الآخرين ، ومناقشة مشاكل مجتمعنا كذلك مطلوبة ولكن الكيفية التي يتم من خلالها النقاش هي الأهم والخروج بنتائج وإلا ما أهمية أن نتحدث دون نتائج

    سعدت بهذه المدونة
    تحياتي

    غيمة

  9. أقصوصة: من دواعي سروري أن تكوني منارة من منارات الأثير! وكلامك سليم لولا أنّ كثيرا من المظاهر صارت رموزا، وبعضها متعلق بسنة الحبيب محمّد صلّى الله عليه وسلّم، ولكنّ الحريّ أنّ الدين المعاملة، وصفاء الإسلام إيمان. بارك الله فيكِ
    misscloudy: أهلا وسهلا ومرحبا، ما طرحته منطقيّ جدا يؤكّد على أهمية الظهور بمظهر الإسلام بعد امتلاء الروح منه إيمانا، كما تأكيديك على حاجتنا لتعلم آداب الحوار. حياك الله في صفحتنا وأهلا بكِ!

التعليقات مغلقة.