تعريب الاصطلاح

بسم الله الرّحمن الرّحيم

عربيّة!

في مقالٍ سابق لنا تناولنا أزمة الاصطلاح، وأوضحنا فيه أنّ الكتابة عموما والآليّة على وجه التّخصيص تعاني من أزمة في استخدام الاصطلاح، وهناك بيّنّا أنّ اختلاط اللغات ببعضها يؤدّي إلى فقدان السّيطرة على الإدراكات المختلفة للاصطلاح، وسوف نقوم في مقالنا هذا بتقصّي ظاهرة الاصطلاح الأجنبيّ في العربيّة كمتابعةٍ لما بدأنا الحديث عنه محاولين بذلك تبيين وجهة نظر جوهريّة تحتجّ للعربيّة بقدراتها، وتفي بغرض التدليل على ثرائها الاصطلاحيّ مبدئيّا.

بداية يجدر الوقوف على ظاهرة الاصطلاح الأجنبيّ الذي شاع انتشارها في شتّى المجالات والأصعدة سواء كان الأداء الكتابيّ آليّا، أو علميّا بذريعةٍ أعتقد أنّها ترويج متمغرَب تقضي بأنّ العربيّة لم تعد مرنة لتستقبل المصطلحات بمّا أدّى إلى جذب المصطلح من أصوله الغربيّة وصبّه في قالب لهجيّ قريبٍ للعربيّة، وهذا الاعتقاد رغم اقترانه بواقع اللغة ظاهرًا، إلا أنّ جوهره عمومًا مرفوض على لغةٍ كالعربيّة، أي أنّ إقحام المدلولات من لغاتٍ أخرى على لغةٍ ما لا يعتبر وهنًا دائما، ولتعريبه أهداف مختلفة نذكر منها مثلا الحفاظ على أصل ظاهرة ما (مصطلح الزندقة كمثال مأخوذ من إحدى الدّيانات الفارسيّة التي سبقت الإسلام، والتي حاربها بعض الفرس لاعتبارها كافرة، ممّا جعل العربيّة تستوردها كتدليل على الكفر) وبذا تثري حاضرة اللغة ومواكباتها التّاريخيّة والثُقافيّة، وهدف آخر نمثّله للتّعريب هو قصور اللغة عن الإتيان بمصطلح دقيقٍ يؤدّي الغاية الدّلاليّة، بيد أنّ هذا المثال الأخير غير واسع النّطاق، وله حالات استثنائيّة ناجمة عن احتداد اللغة لاعتبارها جسما غير متكامل. تقضي وجهة نظرنا على ذلك بأنّ العربيّة في الغالب تستطيع أقلمة جميع المصطلحات إليها وبناء أخرى مستوحاة من أصولٍ عربيّة بحتة كونها من أثرى لغاتِ العالم بالمفردات والحقول اللغويّة الصّرفيّة، والواقع أن العربيّة قد أبدت على امتداد العقود السّابقة قدرات هائلة في مجال الاصطلاح ممّا يجعلها أكثر اللغات تحاشيا لظاهرة التّعريب اللهجيّ، فهي قادرة على استقبال الاصطلاح الغربيّ مترافقا مع مدلوله وبلورة مقابلٍ له عربيّ، ممّا ينفي عن العربيّة ما يروج بأنّها تحاول إيجاد المصطلحات الكثيرة لظاهرة ما ممّا يفقدها موضوعيّتها وعلميّتها، فجميع المحاولات التي جيء بها لمصطلح واحد اجتهادات، لو ثابر عليها اللغويون واعتنوا بمتابعتها كعلمٍ بحدّ ذاته لقام الإجماع على توحيده، وهذا يقول بأنّ القصور إن وجد فإنه لا ينبع من اللغة ذاتها، بل من المسؤولين عنها كالباحثين والأبناء. وممّا يؤسفنا ذكره بأنّ هذا القصور الذي يلقى على العربيّة اليوم منبعث من العرب أنفسهم، إذ يعتقدون بأنّ الحاجة إلى لغة طاهرة لم يعد بالأمر الهامّ لمواكبة العالم، وأن غاية التّواصل مع الثّقافات الأخرى لا تحتاج إلى تطوير لغويّ للغة الأمّ، وهذا التّصوّر كارثة، فارتقاء الحضارات متعلق بتطوّر ميزاتها، واللغة العربيّة من ميزات تطوّر الثّقافة العربيّة وحضاراتها.

يدّعي بعض القائلين : إنّنا لسنا بحاجة إلى استخدام اسم مطوّل للروموت كونترول في العربيّة كقولنا جهاز التحكّم عن بعد إذ لا يعبّر ذلك عن تطوّر لغويّ بل عن قصورٍ شديد يصعّب التّواصل بين أبناء اللغة الواحدة، والحقيقة أنّ هذا المصطلح قابل للتّطوّر والاقتضاب، باعتبار أنّ البلاغة تقع بالإيجاز، وقد نبّهنا الأخ عمر عاصي -جزاه الله خيرا- إلى أنّ العربيّة ببراعتها واجتهاد أحد العلماء فيها قد أوجدت اصطلاح الحاكوم لهذا الجهاز، ولو أدرج هذا الاصطلاح في مجمع اللغة ودرج استخدامه بين المتواصلين آليا لكان أقرب وأفضل وأسهل وأرقى وأكثر إجلالا للعربيّة وقدراتها السّامية، ودون المساس بالقوالب الصّرفيّة، فالحاكوم اسم آلة من الجذر ح.ك.م، وهو جذر عربيّ أصيل استطاع بلوغ الوظيفة لهذا الجهاز وانصبّ في القالب الصّرفي لاسم الآلة ليأخذ شكله النّهائيّ.

هذا المثال –برأيي- كافٍ مبدأيا للتّدليل على طاقات العربيّة في استرجاع مجدها التّليد، وقدرتها على التّطوّر بدلا من استنزاف حروفها في كتابة كلمات أجنبيّة حريّ بها أن تنتشر في الموادّ الكتابيّة المصاغة بها.

سأتوقّف عند هذا القدر آملة أن نجني من آرائكم فيه الاستفادة والمعرفة بإذن الله!

Advertisements

6 comments

  1. مصطلحات اللغة الأم, لا نقدر حصيها فعلًا, وجمالها الآخاذ قد أُسر تقريبًا
    لا نملك من معرفتها كثيرًا, هي ليست محض اهتمام لدى اغلب ابنائها, للأسف

    جنيتُ منكِ الجميل الكثير, شكرًا يافاضلة .

  2. الاخت الكريمة “توتا”: يسعدني مرورك وتعقيبك.. اللغة العربيّة أمّ .. وليتنا نتّقي حقّ الأمّ علينا .. فلأسف حقّا أخيّتي الحبيبة!

  3. السلام عليكم و رحمة الله و بركاته

    أعتقد أنّ الأزمة الحقيقية تتمثل في استبدال اللغة العربية الفصحى باللهجات العاميّة , و هي التي أدت لعدم تقبل ( تعريب المصطلحات )

    ففي مثالك لو ذكرنا مصطلح ( الحاكوم ) و نحن نتحدث الفصحى
    لن يكون هناك مشكلة بالأصل و سيكون أمراً طبيعياً …
    أما لو ذكرناه و نحن نتحدث بالعاميّة فسيكون أمراً غريباً , هذا إن
    لم يكن مضحكاً ….

    و أمام هذا التطور الحاصل و خصوصاً في المصطلحات التقنية
    و الالكترونية نحتاج للعمل المشترك بين أهل الاختصاص و بين
    القائمين على التعريب , و بصراحة في الأسواق كثير من الكتب
    التقنية التي تفقد فائدتها بسبب القائمين على تعريبها

    و لا أحد يقبل لمجرد عاطفته للغة العربية و حبّه لها أن يقرأ بلا
    فائدة , ففي النهاية :
    ( اللغة وضعت و سخرّت في خدمة الإنسان , و ليس الإنسان وضع في خدمة اللغة ))

    أشكركِ أختي الفاضلة على ما قدمته لنا من فائدة في هذه التدوينة المميزة بشكل خاص, و في مدونتك الغنية بشكل عام

  4. الأخ الكريم: سامي أحمد، أوافقك في انتشار العامّيّة وخبوّ العربيّة الفصحى فيها، ولكنّنا بالإجمال نعرض للغة الفصحى المكتوبة على وجه الخصوص، والحاكوم مثال على اللغة العربيّة الفصحى التي تستخدم في مقاماتها، لا المتداولة بين النّاس.
    حيّاك الله أخانا الكريم، ومرحبًا بك في الأثير!

التعليقات مغلقة.