أزمة الاصطلاح

بسم الله الرّحمن الرّحيم

كتاب

يخلط الكثير من المدوّنين والكتّاب اليوم بين مصطلحاتٍ عديدة من خلال منشوراتهم عن عدم إدراك وفهم دقيق للاختلاف بينها، وللأسف هناك عدم تقدير لما بذله العلماء الكبار السّابقين لوضع هذه المصطلحات وتصنيفها في علوم منها أصول ومنها فروع، وقد لا تقتصر مشكلة الاصطلاح على علم واحد فحسب، بل تتعدّاها إلى جميع العلوم على اختلاف تدريجاتها وتصنيفاتها، ممّا أوجب وقوفنا هنا للاطّلاع على حدود الظّاهرة ومحاولة استدراكها تحاشيا للخطأ الذي يتعرّض له كلّ واحد منّا سواء كان كاتبًا أو غير ذلك، حتّى يكون في ذلك الأجر أوّلا، والتطوير المعلوماتيّ ثانيا، وليس ذلك صعبا على أمّة حملت اللغة إعجازًا، وأبدعت فيها حتّى استطاعت تخطّي الفلسفات والعلوم الأخرى التي جاءت بها الحضارات الأخرى.

إن الاصطلاح مسمّى مدلوليّ متمثّل في مفردة لغويّة أو أكثر تبيّن ظاهرة أو حالة ما (أدبيّة، فقهيّة، علمية، حياتيّة ..)، وقد يستخدم الاصطلاح كسمة وصفة لموضع معين في زمن بعينه أو على امتداد الزّمن (كالجاهليّة اصطلاحا للفترة التي سبقت الإسلام بمدّة زمنية قسّمت إلى أولى وثانية حاول العلماء استدراك كلّ منها زمنيّا).

يساهم الاصطلاح في ترتيب الأفكار وتسهيل التّواصل العقلي بحيث يبدو أبلغ وأسهل، وإنّ المساس بمعناه ودلالته يعني بأنّ اللغة بدأت تفقد مكانتها الإدراكيّة والتي حاولت تطويرها وتنميتها من خلال ملاءمتها وإلمامها بكلّ ما يحيطها ما استطاعت باقتصار، ذلك أن اللغة جسد قاصر لا يمكنه الوصول إلى مرحلة الكمال في إنجاز المدلولات سواء كانت عقليّة، حسّيّة أو غير ذلك.

الواقع أنّ مشكلة الاصطلاح اليوم لا تكمن في المادّة اللغويّة التي يمتلكها اللسان العربيّ، ولا في غزارة اللغة بها، بل كما أسلفنا في عدم فهم الاصطلاح المراد، وتوظيفه في مقامه ومكانه الصّحيح، ممّا يؤدّي بالبعض إلى إضاعة القارئ وتشويه الفكرة، وفي الغالب لا يكون قاصدا لفعل ذلك، ولكنّ حالة القول عنده تتحوّل إلى مشوّهة إثر عدم السّيطرة على جوهر الاصطلاح، المترجم لمفهوم المدلول، وقد بدأت هذه المشكلة منذ وقت طويل نراها شائعة في العهد العبّاسيّ، إثر احتواء اللغة العربيّة للغات أخرى دخيلة أرسلت ظواهر أصابت العربيّة الطّاهرة بوهن وجرثمة (وإن كان لها إيجابيّات لا يمكننا إنكارها لكنّ ضررها أكثر من نفعها) كما تحدّث الجاحظ في “البيان والتّبيين” طوي، وكما تناول سيبويه ذلك بصورة أكثر دقّة وحذرٍ في كتابه “الكتاب” وغيرهم من العلماء والباحثين القدامى، وعلى ما يبدو فإنّ أزمة الاصطلاح لا تعاني من مشكلة اللغات الدّخيلة فحسب، فاليوم مثلا تعاني العربيّة من عدم قراءتها، فحينما ترك القارئ العربيّ كتبه وانتقل إلى العوالم المحوسبة التي لا تحتاج طاقات قرائيّة كبيرة لتأدية الغاية التّواصليّة لاعتبار العامّية تفي بذلك صارت الكتب العربيّة الضّخمة والعظيمة تترك على المكتبة، أو تحفظ في حافظة الحاسوب، وسرعان ما تنسى إثر الضّجيج الآليّ المعلوماتيّ “الغوغائيّ” بالغالب، ولم تحتدّ الظّاهرة عند ذلك فحسب، فكثير ممّن يحاولون الخروج من أزمة الغوغائيّة الإلكترونيّة التي تعاني منها العقول اليوم يستخدم المستهلك العربيّة دون مراعاتها، ومنهم من يلجأ إلى نبذها لكتابة موضوع “فقهي” على سبيل المثال كسجليّة النّقاب اليوم، أو لكتابة موضوع استغاثي للمسجد الأقصى المبارك، والأجدى أن تكون العربيّة الاصطلاحيّة رائدة في ذلك، خاصّة الفقهيّة منها.

هنا يجدر الوقوف لتبيين وجهة نظري الخاصّة في قضيّة أهمية الدّارجة في لغتنا فهي لغة سريعة تطوّرت عن الفصحى –برأيي-، ولكنّها بالواقع لغة قليلة الاصطلاح لم تعد تفي بتواصل مريح كما يخيّل للبعض، بل إنّنا لذلك نلجأ إلى استخدام اللغات الأخرى من خلالها في وصف حالة قد تكون العربيّة أكثر اللغات استدراكًا لها كالاصطلاحات العربيّة لعلم الجبر مثلا، والمثير أنّ بعض المواضيع التي يطرحها الكتّاب والمعلقون اليوم دقيقة وحسّاسة، وكثير منّا يحتاج إدراكها بصورة صحيحة دون حرج الخوض فيها لما يستلزم من شرحٍ بها، ودون إخلال بالأدب والموضوعيّة مقابل الحاجة إلى الإسهاب والاقتصار بقدر المستطاع، في هذه الوضعيّة لا ننجح في إيجاد مسمّيات أو اصطلاحات لهذه الظواهر كالمصطلحات الجنسيّة منها ظاهرة الختان، والسّياسيّة كالخوض في قضايا ملفّات المخابرات، والاجتماعيّة كتقصي ظاهرة الاختلاط  وغير ذلك، لأنّنا بالغالب لا نعرفها، وليس التقصير في عدم معرفتنا الاصطلاح، فكلنا مهما ازداد علما ازداد علما بجهله، لكنّ المشكلة أن نداوم على إهمالنا المعرفة لها، هنا تكمن الفاجعة!

لن أطيل أكثر من ذلك، لعلمي بأنّ قارئنا العربيّ يملّ من المواضيع الطّويلة 🙂 أسأل الله العظيم أن يكون ذكرنا لهذا الموضوع حافزًا للبدء بمرحلة جديدة دعونا نسمّيها –عودة الاصطلاح-.

Advertisements