ولا أرى في القدس.. إلا أنت!

بسم الله الرحمن الرحيم

مَرَرْنا عَلــى دارِ الحبيب فرَدَّنا
عَنِ الدارِ قانونُ الأعادي وسورُها

فَقُلْتُ لنفســي رُبما هِيَ نِعْمَةٌ
فماذا تَرَى في القدسِ حينَ تَزُورُها

تَرَى كُلَّ ما لا تستطيعُ احتِمالَهُ
إذا ما بَدَتْ من جَانِبِ الدَّرْبِ دورُها

وما كلُّ نفسٍ حينَ تَلْقَى حَبِيبَها تُـسَرُّ
ولا كُلُّ الغـِيابِ يُضِيرُها

فإن سـرَّها قبلَ الفِراقِ لِقاؤُه
فليسَ بمأمـونٍ عليها سـرُورُها

متى تُبْصِرِ القدسَ العتيقةَ مَرَّةً
فسوفَ تراها العَيْنُ حَيْثُ تُدِيرُها

في القدسِ، بائعُ خضرةٍ من جورجيا برمٌ بزوجته
يفكرُ في قضاءِ إجازةٍ أو في في طلاءِ البيتْ

في القدس، توراةٌ وكهلٌ جاءَ من مَنْهاتِنَ العُليا يُفَقَّهُ فتيةَ البُولُونِ في أحكامها

في القدسِ شرطيٌ من الأحباشِ يُغْلِقُ شَارِعاً في السوقِ..
رشَّاشٌ على مستوطنٍ لم يبلغِ العشرينَ،
قُبَّعة تُحَيِّي حائطَ المبكَى

وسياحٌ من الإفرنجِ شُقْرٌ لا يَرَوْنَ القدسَ إطلاقاً
تَراهُم يأخذونَ لبعضهم صُوَرَاًمَعَ امْرَأَةٍ تبيعُ الفِجْلَ في الساحاتِ طُولَ اليَومْ

في القدسِ دَبَّ الجندُ مُنْتَعِلِينَ فوقَ الغَيمْ

في القدسِ صَلَّينا على الأَسْفَلْتْ
في القدسِ مَن في القدسِ إلا أنْتْ!

***

وَتَلَفَّتَ التاريخُ لي مُتَبَسِّماً
أَظَنَنْتَ حقاً أنَّ عينَك سوفَ تخطئهم،! وتبصرُ غيرَهم
ها هُم أمامَكَ، مَتْنُ نصٍّ أنتَ حاشيةٌ عليهِ وَهَامشٌ

أَحَسبتَ أنَّ زيارةً سَتُزيحُ عن وجهِ المدينةِ، يا بُنَيَّ، حجابَ واقِعِها السميكَ
لكي ترى فيها هَواكْ
في القدسِ كلًّ فتى سواكْ

وهي الغزالةُ في المدى، حَكَمَ الزمانُ بِبَيْنِها
ما زِلتَ تَرْكُضُ إثْرَهَا مُذْ وَدَّعَتْكَ بِعَيْنِها
رفقاً بِنَفسكَ ساعةً إني أراكَ وَهَنْتْ
في القدسِ من في القدسِ إلا أَنْتْ

***

يا كاتبَ التاريخِ مَهْلاً، فالمدينةُ دهرُها دهرانِ

دهر أجنبي مطمئنٌ لا يغيرُ خطوَه وكأنَّه يمشي خلالَ النومْ
وهناك دهرٌ، كامنٌ متلثمٌ يمشي بلا صوتٍ حِذار القومْ

والقدس تعرف نفسها..
إسأل هناك الخلق يدْلُلْكَ الجميعُ
فكلُّ شيء في المدينة
ذو لسانٍ، حين تَسأَلُهُ، يُبينْ

في القدس يزدادُ الهلالُ تقوساً مثلَ الجنينْ
حَدْباً على أشباهه فوقَ القبابِ
تَطَوَّرَتْ ما بَيْنَهم عَبْرَ السنينَ عِلاقةُ الأَبِ بالبَنينْ

في القدس أبنيةٌ حجارتُها اقتباساتٌ من الإنجيلِ والقرآنْ

في القدس تعريفُ الجمالِ مُثَمَّنُ الأضلاعِ أزرقُ،
فَوْقَهُ، يا دامَ عِزُّكَ، قُبَّةٌ ذَهَبِيَّةٌ،
تبدو برأيي، مثل مرآة محدبة ترى وجه السماء مُلَخَّصَاً فيها
تُدَلِّلُها وَتُدْنِيها

تُوَزِّعُها كَأَكْياسِ المعُونَةِ في الحِصَارِ لمستَحِقِّيها
إذا ما أُمَّةٌ من بعدِ خُطْبَةِ جُمْعَةٍ مَدَّتْ بِأَيْدِيها

***

وفي القدس السماءُ تَفَرَّقَتْ في الناسِ تحمينا ونحميها
ونحملُها على أكتافِنا حَمْلاً إذا جَارَت على أقمارِها الأزمانْ

في القدس أعمدةُ الرُّخامِ الداكناتُ
كأنَّ تعريقَ الرُّخامِ دخانْ

ونوافذٌ تعلو المساجدَ والكنائس،
أَمْسَكَتْ بيدِ الصُّباحِ تُرِيهِ كيفَ النقشُ بالألوانِ،

وَهْوَ يقول: “لا بل هكذا”،
فَتَقُولُ: “لا بل هكذا”،

حتى إذا طال الخلافُ تقاسما
فالصبحُ حُرٌّ خارجَ العَتَبَاتِ لَكِنْ
إن أرادَ دخولَها
فَعَلَيهِ أن يَرْضَى بحُكْمِ نوافذِ الرَّحمنْ

***

في القدس مدرسةٌ لمملوكٍ أتى مما وراءَ النهرِ،
باعوهُ بسوقِ نِخَاسَةٍ في أصفهانَلتاجرٍ من أهلِ بغدادٍ
أتى حلباً فخافَ أميرُها من زُرْقَةٍ في عَيْنِهِ اليُسْرَى،
فأعطاهُ لقافلةٍ أتت مصراً
فأصبحَ بعدَ بضعِ سنينَ غَلاَّبَ المغولِ وصاحبَ السلطانْ

في القدس رائحةٌ تُلَخِّصُ بابلاً والهندَ في دكانِ عطارٍ بخانِ الزيتْ
واللهِ رائحةٌ لها لغةٌ سَتَفْهَمُها إذا أصْغَيتْ

وتقولُ لي إذ يطلقونَ قنابل الغاز المسيِّلِ للدموعِ عَلَيَّ: “لا تحفل بهم”
وتفوحُ من بعدِ انحسارِ الغازِ، وَهْيَ تقولُ لي: “أرأيتْ!”

في القدس يرتاحُ التناقضُ، والعجائبُ ليسَ ينكرُها العِبادُ،
كأنها قِطَعُ القِمَاشِ يُقَلِّبُونَ قَدِيمها وَجَدِيدَها،
والمعجزاتُ هناكَ تُلْمَسُ باليَدَيْنْ

في القدس لو صافحتَ شيخاً أو لمستَ بنايةً
لَوَجَدْتَ منقوشاً على كَفَّيكَ نَصَّ قصيدَةٍ
يا بْنَ الكرامِ أو اثْنَتَيْنْ

في القدس، رغمَ تتابعِ النَّكَباتِ، ريحُ براءةٍ في الجوِّ، ريحُ طُفُولَةٍ،
فَتَرى الحمامَ يَطِيرُ يُعلِنُ دَوْلَةً في الريحِ بَيْنَ رَصَاصَتَيْنْ

***

في القدس تنتظمُ القبورُ، كأنهنَّ سطورُ تاريخِ المدينةِ والكتابُ ترابُها
الكل مرُّوا من هُنا

فالقدسُ تقبلُ من أتاها كافراً أو مؤمنا
أُمرر بها واقرأ شواهدَها بكلِّ لغاتِ أهلِ الأرضِ

فيها الزنجُ والإفرنجُ والقِفْجَاقُ والصِّقْلابُ والبُشْنَاقُ
والتتارُ والأتراكُ، أهلُ الله والهلاك، والفقراءُ والملاك، والفجارُ والنساكُ،
فيها كلُّ من وطئَ الثَّرى

كانوا الهوامشَ في الكتابِ فأصبحوا نَصَّ المدينةِ قبلنا

يا كاتب التاريخِ ماذا جَدَّ فاستثنيتنا
يا شيخُ فلتُعِدِ الكتابةَ والقراءةَ مرةً أخرى، أراك لَحَنْتْ

العين تُغْمِضُ، ثمَّ تنظُرُ، سائقُ السيارةِ الصفراءِ، مالَ بنا شَمالاً نائياً عن بابها
والقدس صارت خلفنا

والعينُ تبصرُها بمرآةِ اليمينِ،
تَغَيَّرَتْ ألوانُها في الشمسِ، مِنْ قبلِ الغيابْ

إذ فاجَأَتْني بسمةٌ لم أدْرِ كيفَ تَسَلَّلَتْ للوَجْهِ
قالت لي وقد أَمْعَنْتُ ما أَمْعنْتْ

يا أيها الباكي وراءَ السورِ، أحمقُ أَنْتْ؟
أَجُنِنْتْ؟

لا تبكِ عينُكَ أيها المنسيُّ من متنِ الكتابْ
لا تبكِ عينُكَ أيها العَرَبِيُّ واعلمْ أنَّهُ

في القدسِ من في القدسِ لكنْ
لا أَرَى في القدسِ إلا أَنْت.

Advertisements

15 comments

  1. الأخت الفاضلة
    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
    شرفت بتواجدى فى محراب مدونتك الطيبة
    تقبلى مرورى وتقديرى واحترامى
    بارك الله فيك وأعزك
    أخوك
    محمد

  2. سلام ورحمة

    أعجبتني مدونتك, وتشرفت بزيارتك لي 🙂

    أحب ان أزيد مدونتي رونقا بأضافة مودنتك الي مدوناتي الصديقية, ماذا تقولين؟

  3. السلام عليكمـ

    بداية أتشرف بالدخول والتواجد بين جنبات مدونتك ..
    وأنا لا أرى في البلاد العربية سوى القدس ..
    سمعتها منذ مدة كبيرة جداً من تميم البرغوثي .. وهي قصيدة جميلة جداً..

    دمتم في رعاية الرحمن
    أسعد بتواجدي هنا ..

  4. تميم شاعر مبدع حدّ الإعجاب والدهشة، فهو يأتينا بالصور البديعة التي نتملاها مدهوشين.. ثم يأخذنا إلى جولة في التاريخ يعرضها بأسلوب فني مستحدث لا نشعر من خلاله أننا نقرأ تاريخًا!

    ولكنني أعيب عليه العروبة الطافحة في القصيدة.. فالرسالة الموجهة هنا هي تأكيد عروبة القدس.. وهي رسالة “مبتته” بالمصطلح العامي عندنا! لأن الدهر قد أكل عليها وشرب!!

    لا زالوا يتحدثون أن القدس عربية منذ آلاف السنين.. وقد بناها العرب.. ووو… يملأون بذلك كتب التاريخ والمؤتمرات والقصائد.. ولكنهم لا يتحدثون كثيرًا أنها أولى القبلتين وثاني الحرمين الشريفين.. ولا يتحدثون أنها أرض وقفية أوقفها سيدنا عمر بن الخطاب عندما فتح فلسطين.. بل أوقف كل أرض فلسطين.. فهي وقف إسلامي لا يجوز التفريط فيه من هذا الباب.. وليس من باب أنها عربية!

    لازلنا ندندن على لحن القومية العربية أكثر من 60 عامًا فماذا جلبت لنا؟!

    تحياتي..

  5. الشجرة الأمّ
    يسعدني وجودك دائما.. وفعلا هي قصيدة جميلة
    الشّريف: في كلامك وجهة نظر ولكنّك لا تصيب واقع القول تماما
    نعم: إنّه يعزف على وتر القوميّة، ولكنّه لا يقول بعروبة القدس حسّا ومعنى، بل معنى أكثر منه حسّا
    وإذ تلاحظ، فأنّه يتتبّع الثّقافات المختلفة في قصيدته، ولكنه يدّعي بأنّها ميّتة بالمعنى! وهذا هو الإبداع.. أنتَ تعترف بالواقع، وترفض الخيال بخيال آخر!
    دعنا نراكَ في المدوّنة دائما أخانا
    طاب يومك بإذن الله
    سلاما

  6. إسراء لفتة جميلة منك ان تضيفي هذه القصيدة الى مدوّنتك لتزدان بجمالها …
    ومن ثمّ اعذريني اذ اودّ توجيه الحديث للأخ شريف وأقول له : لو كنّا كما قلت ندندن على لحن القوميّة العربيّة لما كانت فلسطين كما هي اليوم . اتعلم يا شريف بأنّ العرب ليسوا موجودين اليوم ، نحن اشباه لهم بلكنة اللسان وحتّى هذه تغيّرت كثيرا لذا العروبة منّ هواننا وتقاعسنا براء …. لذا سأقول أنّه عندما ضاعت العروبة ضاعت القدس ولن تعود الا ان عدنا الى انفسنا .

    سلام

  7. السّيّاب بآلامه: أحيّيك ثمّ أحيّيك على هذا القول العظيم “ضاعت العروبة ضاعت القدس ولن تعود الا ان عدنا الى انفسنا”.

    سأتابع عبر حوارك مع الأخ شري سلسلة مقالات تحاكي العربيّة
    مرحبًا بكِ في الاثير كلّ آن!.

  8. العربية لغة.. لا أكثر! ولا ترقى لأن تكون رابطة بين البشر.. أنا يا أختي لا أعترف بفكرة أن ما يجمعنا هو العروبة! وبما أننا في مجال الأدب إليك هذا الكلام الذي لا يحتاج إلى جهدٍ لفهمه:

    “والبشرية إما أن تعيش _ كما يريدها الإسلام _ أناسيّ تتجمع على زاد الروح وسمة القلب وعلامة الشعور .. وإما أن تعيش قطعانا خلف سياج الحدود الأرضية ، أو حدود الجنس واللون .. وكلها حدود مما يقام للماشية في المرعى كي لا يختلط قطيع بقطيع !!!”

    تحياتي لكِ ودمتِ طائعةً لله..

  9. “العربية لغة.. لا أكثر! ولا ترقى لأن تكون رابطة بين البشر..”

    أخي شريف: إنّ في جملتك هذه ما يقول بأنّك لا ترى في العربيّة جامعا أو رابطة كما تسمّيها للأمّة الإسلاميّة التي تنطق بما أنزله الله على نبيّه -صلّى الله عليه وسلّم- بلسان عربيّ عربيّ.. فهل كون القرآن، وشعائر الصّلاة عربيّان لا يعتبر رابطا راقيّا برأيك؟

    أعزّك الباري أخي الكريم، اظنّني فهمت أنّك تقصد القوميّة هنا ودلّلت عليها بذكر العربيّة، ونحن بعيدون كلّ البعد عن الخوض في هذه القضيّة.. نحن نحاول معالجة العربيّة كلغة لا معالجة الفكر القوميّ في مسمّى العربيّة! وهذا اصطلاح 🙂
    بارك الله فيك، وأنتظر أن تقول آلام السّيّاب في هذا المقام شيئًا.

التعليقات مغلقة.