المبالغة وأنواعها في علم البلاغة

نظرة في البلاغة العربيّة

بسم الله الرّحمن الرّحيم

إنّ كتب البلاغة قد أسهبت وأطالت في شرح الأنواع البديعيّة وغير البديعيّة التي تعلي من مستويات اللغة وتحسّن فيها جماليّا وفنّيًّا، وقد اختار د. فهد أبو خضرة أن يبحث في مجال المبالغة والأساليب التي تنطوي على ما يشابهها أو يدرّجها نعرضها جميعًا إن شاء الله في هذه المراجعة السّريعة.

أوّلا: التّبيلغ

وهو ما يعرّفه بقوله “هو أن يصرف المتكلّم كلامه عمّا يطابق المألوف ويوجّهه إلى ما لا يطابقه شرط أن يكون وقوع ما يقوله ممكنا عقلا وعادة” كقولِ الفرزدق:

يُغضِي حياءً ويُغضى في مهابته        فلا يكلَّمُ إلاَّ حينَ يبتسمُ

ويترادف هذا المعنى مع ما يسمّى في بعض كتب البلاغة بالمبالغة أو الإفراط في الصّفة، يقابله في ذلك الإغراق الذي يعدّ مقبولا عقلا لا عادة، والغلوّ المرفوض عقلا وعادة وسوف نأتي على تبيين كل منهما فيما يلي.

* يرى د. فهد أبو خضرة أنَّ التّبيلغ متعلّق بالمشاعر الذّاتيّة والرّؤى المستقبليّة في الغالب.

ثانيًا: الإغراق

وهو ما سبق وعرّفناه بوقوع الاستعمال عقلا لا عادة، ومنه ما اقترن بأدوات تقرّبه إلى الواقع نحو: لو، كاد، لولا، قد وغير ذلك، وهذا ما أسماه د. أبو خضرة بالإغراق المقيد، يقابله الإغراق غير المقيد الذي لا يستخدم فيه لفظة تساهم في تقريب الواقع أو محاذاته.

من الأمثلة على الإغراق قوله تعالى: {يكادُ البرق يخطف أبصارهم..}. وكلمة “يكاد” في هذا المقام تلغي وقوع الأمر في الواقع ولكنّها تقرّبه إليه.

مثال آخر في قول امرئ القيس:

من القاصراتِ الطّرف لو مرّ محول        من الذّرّ فوق الإتب منها لأثّرا

هذا البيت يعني أنّ النمل إذا مرّ فوق ثوبها لأثّر فيها لشدّة رقّتها –كما يفسر د. أبو خضرة-.

* يقال أنّ الجحد نوع من أنواع الإغراق، وهو إنكار أمرٍ معقول.

ثالثا: الغلوّ

وهو منوط بلفظة تدلّل على عدم وقوع الشّيء عقلا وعادة نحو: كادَ، لو، لولا وغير ذلك وفي ذلك مثال قوله تعالى {يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار..} ويكاد هنا يجعل وقوع الفعل غير قائم لا عقلا ولا عادة.

يقول زهير بن أبي سلمى

                  لو كانَ يقعد فوق الشّمسِ من شرفِ        قومٍ بأحسابهم أو مجدهم قعدوا   

أي أنّ هؤلاءِ الأشراف الذين يمتدحهم هم الأحقّ بالجلوس فوق الشّمس لو حقّ ذلك وأنّ أصلهم هو الأرقى والأمجد.

وكذا في قول أبي نواس

صفراءُ لا تنزلُ الأحزانُ ساحتها          إن مسّها حجر مسّته سرّاء 

* الغلوّ حدّ الخروج من نطاق المعقول والواقع لا يجعله أمرا مستحيل الوقوع.

رابعًا: الاستحالة

المصطلح البديل للاستحالة هو الإحالة، وهو الجمع بين المتضادّين، حيث لا يمكن أن نتصوّر ذلك ولا أن نفسّره كقولِ أحدهم

لكم في الحشا من قبل أن يخلق الحشا         سريرة حبّ من قبل أن يخلق الحبُّ

أو كقول أبو عقيل على لسان قاص: الرّعد ملك أصغر من نحلة وأعظم من دبّور

* هناك اختلاف بين الامتناع والاستحالة، الامتناع غير موجود في الواقع ولكن يمكن تخيله بينما الاستحالة لا.

* يقول د. أبو خضرة في مقاله “تعتبر الاستحالة من عيوب المعاني عند البلاغيين القدماء ولكنّها لا تعتبر كذلك عند الشعراء والنقّاد المعاصرين خاصّة الحداثيّين منهم، فهي مرتبطة عندهم بالمنطق اللاوعي، وبرغبتهم في تفجير اللغة وإعادة تشكيل العالم والتمرّد على كلّ المسلّمات”.

خامسا: التفريط

هو عكس الإفراط، وهو المدح بصورة تبدو وكأنها مبالغة ولكنّها دون ذلك كقولهم

وما يأمن الحجّاج والطّير تتّقي         عزيمته إلا ضعيفَ العزائم

والمثير هنا أنّ الطّير يتّقي أضعف البشر حتّى أعظمهم بطشا بمن فيهم الحجّاج بن يوسف. يسمّي الزملكاني هذه الظّاهرة النّزول ويورد مثالا على ذلك الآية القرآنيّة {مثل نوره كمشكاة فيها مصباح..} ونور الله أمر أعظم من ذلك كما يقول الشّرّاح.

سادسا: إيقاع الممتنع

وهو الامتناع الذي تحدّثنا عنه في حالة الغلوّ كقولِ أبي نواس

يا امين الله عش أبدا            دم على الأيام والزمن

سابعًا: حصر الجزئي وإلحاقه بالكليّ:

وهو مساواة الجزء بالكلّ كقول صفيّ الدّين المحليّ

شخص هو العالم الكليّ في شرفٍ      ونفسه الجوهر القدسيّ في عظم

ثامنا وأخيرا: الاقتصاد

وهو الاعتدال في الوصف بقوله تعالى { الذين يومنون بالغيب ويقيمون الصلاة وممّا رزقناهم ينفقون، والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قلبك وبالآخرة هم يوقنون، أولائك على هدى من ربهم وأولائك هم المفلحون}

في الختام نرجو من الله أن يجعل فيما قدّمت الفائدة لكم بإذن الله!

 

  

Advertisements