Feeds:
تدوينات
تعليقات

بسم الله الرحمن الرحيم 

في هذه التدوينة أستعرض قصّة للأديب “أحمد حسين”، بعنوان انهيار، أتبِعها بمحاولة متواضعة لقصّة تتابع ما جاء به حسين، سمّيتها “بناء”

****

انهيار

أحمد حسين

 

–     سامي درويش طلب!

–         حاضر.

–         ربحي خالد عبد الله!

–         حاضر.

–         وائل ذياب الخمرة! … رُدّ! عمى في منظرك!

 كانت وحشة اليوم الأول قد ذابت نهائيًا، وتأكدتُ أنَّ مدرستنا الجديدة ليست مريعةً إلى الحدّ الذي صوّرَهُ لي الوهمُ حتى صباح أمس. بل لقد استطعنا – أكرم وأنا – أن نجدَ فيها أشياءَ مهمّةً أو مسلّيةً مثل بعض الشتائم المبتكرة التي لم نكن قد سمعنا بها في شارع “الاستقلال” أو في مدرسة “الوحدة”. لذلك انتهزتُ فرصةَ انشغالِ المعلّم ومِلْتُ على أذن “اكرم” هامسًا:

–         هل تسأله؟

 فأجاب بصوت خفيض:

–         لا، يمكن عصبي!؟

 كنت أشعُرُ بنفس الشعور، فمن الحكمة التحرك بحذر في هذا المكان الذي لا يزال كالمجهول بالنسبة لنا، وربما ليس مأمونًا توجيه الأسئلة إلى معلم لم تَرَهُ من قبل. ولكنّني كنتُ أعيشُ معاناةً حقيقيّةً بلغَتْ أحيانًا حدّ التعاسة. معاناة مركّبة كادت طفولتي الهشّة تنهار تحت وطأة انفعالاتها العنيفة، فأولاً تلك المحاولات المرهفة والفاشلة لتصوّر العالم، وثانيًا ذلك الشعورُ بالمهانة أمام ادّعاءٍ قذرٍ كنتُ على يقينٍ تامّ من بُطلانه دون أنْ أستطيعَ شخصيًا دحضَهُ، وأخيرًا ذلك الإحساسُ بالابتعادِ والشَناءةِ تجاهَ “أكرم” الّذي أخذ يتسرّبُ إلى نَفْسي مُنذ مساءِ البارحة.

كان عالمنا مشتركًا، يكاد يكون واحدًا، ذات البيت، وذات السِّنّ، ولم تكن لعبة أو مشاجرة إلاّ ونحن معًا طرفها أو طرفاها، وشُهرتنا في العضّ وابتكار الألعاب وصلت آخر الشارع. ولم يكن هناك وضع للمكان أو الزمان أو الرفقة، عجزنا عن اختراع لعبة تلائمه. في الليل وحينما نكون وحيدَيْن معًا على سطح المنزل أو أسفل السلّم كنا نتحدَّثُ عن المستقبل، الذي كان دائمًا على بُعد ساعة أو يوم عنا على أكثر تقدير، وفجأة وبدون سابق إنذار يقول أحدنا:

 –         أنا فنجان!

فيجيب الآخر:

–         أنا إبريق!

–         أنا طنجرة!

–         أنا برميل!

 … وهكذا إلى أن يعجز أحدنا عن الاستمرار في مباراة التفوّق هذه.

 ومع الوقت أصبح لنا سلاسل مولّفة من كل الأنواع، تشمل مملكة النبات والحيوان والجماد حولنا، وكان لكل سلسلة بداية دون أن يكون لها نهاية، فالبحث مستمرّ من الجانبين والمفاجآت تترأى كل يوم والسلسلة التي تقف اليوم عند التوتة تقف غدًا عند الجمّيزة، والتي يختمها اليوم الجمل يختمها غدًا الفيل. وكانت السلاسلُ تمتدُّ وتمتدُّ وتنمو كالزواحف مع كل اكتشاف جديد لأحدنا. ما عدا سلسلة واحدة.

كانت تلك سلسلة مغلقة باعتراف الإثنين، ذلك أنها كانت تنتهي بحيفا. ولمّا كان من المستحيل أن يكون هناك بلد أكبر من حيفا فقد أُهمل البحثُ في مجالها.

ولكن ذلك لم يكن يعني أبدًا توقفها عن النمو، فقد كانت هذه السلسلة مركّبة من خصوصياتنا، تبدأ بالبيت الذي نسكنه وتجوب حيفا مرورًا بجامع “الحرية” فجامع “الاستقلال” فمركز البوليس، فالحسبة، فالشوارع المختلفة، وتنتهي بذلك الاسم العظيم، حيفا! وهذه أشياء كانت كلّها تحت مراقبتنا المستمرة وكنا نراها تنمو على فترات متفاوتة ولكن باستمرار. حتى بيتنا الذي كنا نسكنه أكملوا فيه الطابق الثاني بعد أن كان أكثر من نصفه مجرَّد ساحة واسعة على سطح الطابق الأول. كان في هذه السلسلة حيويّة داخليّة تشبه الحيوية الّتي في داخلنا نحن، نحسّ بها دون أن نتتبّعها. ولكن ليس هذا كل ما في الأمر. فالمكانة الخاصة لها في نفوسنا كانت أيضًا في نموّ دائم. وعلى ما يبدو، فإنه لم يكن يمرّ يوم واحد دون أن نحبَّ حيفا أكثر، ودون أن نحسّ بذلك أيضًا. ولهذا لم يكن واردًا قط أن نلعب لعبة التفوّق هذه دون أن نبدأها أو نُنهيها بالسلسلة الحيفاوية. وحينما كنا نفعل يبدو الانفعال البهيج واضحًا في صوت الواحد منّا وعينيه، حينما يقول وهو يشدّ رأسَه إلى الأعلى رغمًا عنه:

–         حيفا!

وتنغلق السلسلة، وينتظر الثاني دوره ليقول: “حيفا” في المرّة القادمة.

ومساء البارحة، كنت أنا الذي أغلقتُ السلسلةَ. أحسستُ بحلاوة الموقف قبل أن أصل إليه، وشعرتُ بالبهجة تنمو في نفسي مع كل اسم على الطريق إلى الغاية. وأخيرًا شَدَدْتُ قامتي رغمًا عني وقلتُ بذات الانفعال اللذيذ:

 –         حيفا!

–         العالم!

 لم يشدّ رأسه إلى الأعلى. ولم يقلها بلهفة وتفاخر كما يفعل الواحد منا عادةً حينما يكتشف حلقةً جديدةً. وقُلتُ باستهجان خالٍ من الغضب:

–         ما هذا؟

فقد كنت واثقًا أن ما قاله ليس إلاّ نوعًا من العبث على حساب دَوْري، ولم يخطر ببالي أنه يعني أنَّ العالم أكبر من حيفا حقًا. ولكنه قال بخيبة أمل واضحة:

–         العالم أكبر من حيفا.

–         مجنون!!

–         أخي “سليمان” قال ذلك البارحة.

–         هل تصدّقه!

–         إنه في الصف الخامس!

قلت باحتقار لأخيه وللعالم معًا:

 –         ما هو العالم؟

–         بلد!

–         أين هو؟

–         بعيد جدًا.

–         هل ذهب إليه؟

–         كلا، ولكنه يعرف.

 لم أشكّ للحظة في أنه يكون الأمر ممكنًا أو صحيحًا، ومع ذلك تملّكني ذلك الشعور بالمهانة لمجرد أنْ يفكّرَ أحدٌ في أنَّ هناك بلدًا أكبر من حيفا:

–         أخوك وسخ!

–         لا تشتمه! سأشتم أخاك أنا أيضًا.

–         لا تلعب معي!

–         وأنت أيضًا!

 ولكننا ظَلَلْنا واقِفَيْن مطأطِئَي الرؤوس لفترة طويلة، وأخيرًا تغلَّبْتُ على كبريائي وقلتُ:

–         تعال نسأل!

–         من؟

–         أخي.

–         إنه في الصف الخامس أيضًا.

 كان خائفًا مثلي هو الآخر. وقلت باستسلام مريح.

–         صحيح.

 وقال بتردّد:

–         نسأل المعلم غدًا.

–         أي معلم؟

–         واحدًا منهم. أي واحد.

–         من يسأله؟

 لم نجب على السؤال. كان الأمر مخيفًا من أكثر من جانب واحد… السؤال، المعلم نفسه، الحقيقة..

كان المعلم واقفًا عند اللوح تمامًا وقد أمسك طبشورة في يده وهو ينظر إلينا وكأنه يقول: “انتبهوا”..

أدار ظهره ليكتب، وقلت مرّة أخرى:

–         اسأله!

–         لا.

 وكتب المعلم في صدر اللوح بخط كبير: “دين”، ثم وضع الطبشورة من يده، ونفخ على أطراف أصابعه وقال وهو يبتعد عن اللوح إلى ناحيتنا:

–         من خلق العالم!

 نظرت إلى “أكرم” وقد اتسعت عيناي من الرعب واللهفة، وبدأ قلبي يدقّ بعنف مبالغ فيه.

حاول “أكرم” أن يقول شيئًا فلم يستطع، وبلع ريقه بصعوبة واضحة.

–         نعم. ألله!  كلكم تعرفون ذلك بالطبع، ولكن ليس هذا هو المهم الآن. انتبهوا للسؤال التالي: في كم خلق الله العالم؟

 خيّم الصمت، وجالت نظرات المعلم تستعرض الوجوه، ولكن أحدًا لم يكن ليعرف.

ألله خلق العالم لأنه هو فقط الذي يخلق. هو الذي خلق الناس أيضًا. خلق الأرض والبحر والشوارع والأولاد والقطط، وخلق العالم بالإضافة إلى ذلك. ولكن متى، وكيف، وكم استغرق ذلك، فهذا شيء لم نكن نعرفه أبدًا.

وقال المعلم بتأنّ واستعلاء:

–         خلق الله العالم في ستّة أيام!

 ستّة أيام!… شعرت بخفّة مفاجئة لا تُحتمل، واستولى عليّ شعور طاغٍ بالبهجة يدفعني دفعًا إلى عمل طائش. أردت أن أقفز، أن أصفّق وأصرخ صرخة الانتصار المعهودة “هووو..”. ولم ينقذني من ذلك سوى إحساس بالرثاء الشديد للعالم وتلك البلاهة الجامدة التي ظلت مستولية على وجه “أكرم”. ولكزته بكوعي لكزة لا بدّ أنها آلمته:

–         رأيت!!

 ونظر إليّ عابسًا وليس في وجهه علامة واحدة على الفهم. وشعرت بشيء من الغضب عليه ومن أجله:

–         خلق الله العالم في ستّة أيام! ألم تسمع!

 وقال باستغراب أبله وهو يخفي فمه بكمّه:

 –         سمعت. سيرانا المعلم!

 ولم يكن يهمّني أن يرانا المعلم، وقد زاد غباء “أكرم” من حدّة انفعالي، فقلت وأنا أحاول عبثًا أن أخفض صوتي:

–         يا حمار. إذا كان الله قد خلق العالم في ستّة أيام، فإن “وادي النسناس” وحده أكبر من العالم.

 وقال باهتمام:

–         لماذا؟

 قلت بنفس الحماس الأرعن، وبنفس الشعور المتزايد من الرثاء للعالم وله:

–         كم بيتًا يستطيع الله أن يخلق في اليوم؟

 وقال بلهجة قاطعة، ولا أدري لماذا:

–         عشرة!

 ولم تهمّني مبالغته، وقلت بلهجة المنتصر:

–         كم عشرة بيوت في “وادي النسناس”؟

–        ستة فقط!

 وبدأ يحسب على ما يبدو، ولكن الأمر لم يطل به، فقال باستسلام:

–         أكثر.

فصمت:

–         إذن من أكبر! العالم أم “وادي النسناس”؟

–         وادي الـ…

وصرخ المعلم:

 –         تعالا إليّ!!

 كان غاضبًا حقًا. وحينما اقتربنا منه ونحن نرتجف صرخ بي:

–         في كم يوم خلق الله العالم؟

 فقلت في عجلة:

–         في ستّة أيام.

 واستدار إلى “أكرم” بسرعة، وكأنه يريد أن يفاجئه:

–         ماذا فعل في اليوم السابع؟

 وحينما لم يسمع جوابًا، تقدّم نحوه ببطء مرعب وقد زاد عبوسه إلى الضِّعف. وضع “أكرم” ذراعيه أمام وجهه وقال بلهجة باكية:

–         كان يقول لي أن العالم أصغر من “وادي النسناس”.

 وتوقّف المعلم فجأة، ونظر إليّ باهتمام، ثم قال بهدوء ينذر بوضوح بالعاصفة المقبلة:

–         تنكّت! وفي درس الدين!

ولم أفهم بالطبع أين مجال التنكيت في ما قلت. وشعرت بخوف شديد لهذا الادّعاء الغامض من جانب المعلم، ولشدّة عبوسه وانفعاله. واتخذت وضع “أكرم” أمامه منذ لحظات وقلت بأمل غامض:

–         والله العظيم إنه يكذب. قلت إن حيفا أكبر من العالم.

 وبدا على المعلم شيء من التفكير والاستغراب:

 –         إذن فأنت أبله أيضًا وليس مشاغبًا فقط. اقترب!

 وازددت ابتعادًا، فاقترب منّي، وتراجعت حتى التصقت بالحائط:

–         من أكبر، أنت أم إصبعك؟

 قلت وأنا أرتجف:

 –         أنا.

–         من أكبر، الباب أم الغرفة؟

–         الغرفة.

–         كيف تكون حيفا إذن أكبر من العالم، وهي قرية صغيرة فيه، مثل هذه الغرفة التي أنت فيها الآن أيها الفأر الصغير!

 وضحك الأولاد. وشعرت بفهم مؤلم يجوس في داخلي كما تجوس السكين، وبتغيّر مفاجئ في إحساسي بنفسي وبالأشياء. كل شيء صار أكبر مما هو بالنسبة إليّ. وبدأت أبكي.

 –         تبكي أيضًا! إذا لم تكن فأرًا فأنت صرصور حتمًا، لأنك أبله ومزعج كالصراصير.

 وظللت أبكي إلى أن فقدت المقدرة على التوقف، وعبثًا حاول المعلم إسكاتي. وبعد انتهاء الحصة حاول بعض الطلاب تعزيتي، فشتموا المعلم شتمًا عنيفًا دون أن يعرفوا لماذا كنت أبكي.

 

******

بناء

إسراء حيدر – ريّان

     كنتُ في حيفا خائفًا ولكنّي لم أتركها. أهرب من صوتِ الأذان في “جامع الاستقلال” وأركض لألوذَ في ظلّ شجرة التوت. كنتُ أروي لها مدى كراهيتي لأكرمَ .. وعجزي عن تركه! أحكي لها عن حيفا “الصّغيرة” المدلّلة فتكبر بي من جديد، لكنّ شكواي لا تتعدى فروع هذه الشجرة، لأنّي كنتُ أخاف أن يسمعني أحد الوشاة من صفّي ويخبر أستاذ الدّين بأنّي أبني لنفسي حيفا من جديد!

     في حصص الدّين كنتُ أصغرَ من الفأر، أجلسُ منكمشًا في آخر الصّفّ ملتصقًا بالجدار أسترق النظرات إلى مَن حولي، والجميع يرمقني بعينٍ ربّما تشفق عليّ أو تبحث عن عينيّ، كنتُ أخاف من المعلّم وأسخر منه، أرى أنّي أكبر منه، عقلي يخيّل لي كيف أصير عملاقًا، لكنّ أحلامي أمام جبروت غضبه تنهار إذا التقت نظراتي بنظراته، فأرجع على الفورِ صرصورًا في ردهةٍ أسفلَ شبّاك الغرفةِ.. أنتظر أن أهرب من جديد.

     في يومٍ ما رسمتُ لنفسي خطّة جديدة “شريرة”، وهي استجواب حيفا، والتحقيق معها بعد التهمة التي وُجّهت إليها. كانت هيئة المحكمة أنا والشّجرة، والحضور أرسمهم على دفترِ الرّسمِ ابتداء بالشّوارع مرورا بالأحياء، وما تحتويها من محلات ومكاتب، أمّا الجوامع فقد حجزتها في قفصِ الاتهام حتّى تثبتَ براءَتُها! اتهمتها بالتآمر مع العالم، وأخذِ رشوةٍ منه لتحجيم حيفا.

     بعد التحقيق والبحث اكتشفت الحقيقة، ثبت عندي أنّ وادي النسناس بريء، وقد استعاد هيبته، وأنّ لبيوته قصصًا وأخبار تساوي تاريخ العالم كلّه، وأنّ الميناء أوسع بكثير من خريطة العالم المصوّرة في أطلسِ أخي، وأنّ لحيفا أناشيد جميلة تعلمناها من الروضة تشبه النشيد الوطنيّ.. ضحكت بجنون .. لقد انتصرنا أنا وحيفا على العالم!!!

     في اليوم التّالي ذهبتُ إلى المدرسة منتشيًا، حاملا معي دفتر الرَّسم والألوان، داخلا غرفة الصّفّ شادًّا هامتي إلى الأعلى من جديد، جلستُ بجانبِ أكرم، وانتظرتُ حصّة الدّين بفارغ الصّبر حتّى جاء الشّبح. أستاذ الدّين بقامته الرّهيبة، ووجهه المتجهّم قد قابلني فاغر الفاه من هيئتي. كنتُ جالسًا مبتسمًا ناظرًا إليه، حاملا معي دفتري، أنتظر أن يوجّه كلامه لي حتّى أرافع مقدّمًا دفاعي عن حيفا!

     مرّ وقت طويل من الحصّة والمعلّم يرسل إليّ نظرات متقطّعة، لكنّه لم يوجّه أيّة ملاحظة لي بالرغم من محاولة إحداثي لبعض المشاغبات هنا وهناك! اطمئن قلبي وشعرت بالغلبة، ولأنّي أحبّ حيفا فقد التهيت عن نسخ الدّرس وخططت بخطٍّ عريض على صدر الدّفتر:

“أنا وحيفا أكبر من العالم”

     كنتُ أسمع صوتَ الأذانِ يتردّد في أذنيّ معلنًا عن صلاة الظّهر، شعرت أنّ المؤذّن يوسّع لي حيفا، وأنّ الله الذي خلق العالم في ستّة أيّام منحني ثمانية سنوات من عمري لأتعرّف على حيفا وأعيشها.

 

خوفُ لصّ

بسم الله الرّحمن الرّحيم

مرّ لصّ بخياله ليلا، فخاف أشدّ الخوف من مدّه الأسود.. وهيكله الطويل! أشهر نحوه مسدّسا كان بحوزته ورثه عن أبيه وسأله: ما الذي جاء بك إلى هنا في هذه الساعة؟ من أنت أصلا؟ أجب.. أجب.. هيا أجب!
وفي أوج غضبه رابه نور المصباح على الشارع.. وكان خلفه!
حاول أن يستدير .. فخاف من غدر الخيال.. رفع المسدس إلى رأسه وقال: لن أسمح لهم بأن يقتلوني!
ورمى.. آاااااخر رصاصة!

10908261956_9d0650b29f

----_1~1

أحيّيك أيّتها “المعلّقات” على جدران جدي.. أيّتها المساحات الشقيقة.
أيّتها الأردن الشّقيقة.. تحيّة لطلابك في الجامعات. طلابك طلابنا الذي أرسلناهم إليك.. لعلّ التّعليم في ديارك يرقى بهم. أرسلناهم إليك.. ليتميّزوا.. يتفوّقوا.. يحسبون اليوم عليكِ .. ويقولون: فلان خريج الأهليّة.. خرّيج التكنولوجيّة.. عقول لم تجدي مثلهم عندك لأنّ ولّيك المعظّم تحت لحمه قضى عهد جهلٍ سابق عن والده، يا شقيقة!
أيّتها الجمهوريّة المصريّة الشّقيقة
تحيّة للمعابر المغلقة فيكِ.. تحيّة للحكام الذين وعدوا بإصلاحك على أكتافنا. ورقة نحن يُرمى بها على طاولات المفاوضات مع كبائر الدّول. كم عهدٍ مرّ عليكِ وأنتِ تحاولين أن تكوني أفضل. يوم صرختِ بمليون صوتٍ جريح بكيناك.. صرخنا معكِ.. تمزّقت أورادنا أملا لامتلائها. حملنا لكِ الرايات، دعمناكِ بالدعاء والعمل. أذكري شرمك.. وغير شرمك.. من قام هناك لينعش اقتصادك سألتهم: لماذا مصر؟ فقالوا: شقيقة!.. هل انتعشتِ يومًا؟! خطيئة من هذه؟ ولماذا يفعل الله بكِ هذا.. يا شقيقة!
أيّتها الأرزات في لبنان الشقيقة
تحيّة لشعبك الذي كان جنوبه خنجر الشيعة. حزب الله حزب لغير الله. تشيّع للفُرقة الإسلاميّة. تريدين دليلا؟! ها قد سكت صوتهم، وهدأت ثورتهم لأجل القدس يوم قلنا: نرفض دعم الأسد لأنّه متجبّر. رفضنا علويّا محسوبا عليهم تدعمهم إيران الشّقيقة! شقيقة هي. ينتقمون للتاريخ من أنفسهم! وباقيكم يا لبنانيّة.. هل هزعوا؟! هل سمعتِ لهم صوتًا.. سواء كأصحاب القبور.. أقدّر صمتهم في غير موضعه.. يا شقيقة!
يا سوريا الشّام الشقيقة
تحيّة لإغاثتك.. لحريّة القوم الذين قاموا لأجلك. تحية لفلسطين فيكِ. تحيّة لجماعات صغيرة فزعت لنجدتك، وقد كان حبركِ الحاكم قد أسر عنّا واجبه سنوات. سنواااات وسيادة الآساد عندك تتوخى الصمت. فنعتصر الصمت ردًّا من مكامن الصبر فينا ونحتسب. جاءت مقاومتك.. انتظرنا أملا فيها.. فجرّت لنا ويلات الفِرق والشّعب.. وكلّ فرقة في جسد الأمّة شقيقة.
يا سعد السعوديّة وخادمها.. يا ابن الشقيقة
جئنا نطلب الله من باب مكّة، فجرمت أعناقنا، ومزّقت جيوبًا طقطقت بجنيهاتٍ صفراء قليلة.. نفضتها، وقلت لي خادم.. تخدمُ جيبك؟! تحيا عروبتك. يحيا الإسلام في حضرتك. تحبّنا حدّ استعدادك بتحريم دعمنا جهرًا وكأنّ شريعة الله قد وُسِمت باسمك! آل البيت منكَ براء يا عبدَ بطنك… أما خفتَ دعاءً في مكّة يسفكك؟! إذا كان لكَ ربّ أصلا! سقاك الله من نفطك.. وأدام عليك جزيل وصفك.. يا ابن الشقيقة!
أيّتها الكويت الشّقيقة..
كم صُباحٍ على عرشك؟! هل رأى أهلنا يومًا صبحك؟! لجأوا إليك فرميتهم في المراحيض. دستِ عليهم لتمسحي قدمك قبل العبور إلى العالم. ولقد خسئتِ. تحيا إنسانيّتك. قبعتي تطير عمدًا وتنحني .. خجلا بكِ. ألف وآلاف مؤلفة بين أضلعك. هل عاشوا في ربوع كويتيّتك؟! أين هم؟! يا شقيقة!
قطر الشقيقة.
ارفعي الأبراج أيضًا.. أرصفي الميدان حبًّا للتطبيع والتلزيق والتزويق.. جمّلي مرآتك للتّاريخ بجزيرتك.. تلك التي تجعل من أجسادنا، أشلائنا، أمواتنا مادّة تعبّئ بطنك.. كوني أكبر عميل في الدّنيا. تحيا مناطقك. تحيا حريّتك.. تحيا بورصتك.. تحيا حياتك.. نسأل الله لكِ بُعد الممات.. حتى يكون رصيدك عند الله وفيرًا.. يا شقيقة!
وكم..
وكم بقي من شقيقة..
شقت صدورنا، صفوفنا، حدودنا، أقدارنا، أفكارنا، همومنا..
عارٌ علينا أنتم.. صرف يبقى متأخّرًا.. يشقّ رؤوسنا.
يصرعنا ألم التفكير بكم.. فأنتم مرض الزمان.. أنتم شقيقة!

صورة

30\3\2013

بسم الله الرّحمن الّرحيم

لقد وجّه لي الكثير سؤالا عن سبب سكوتي عن الثورات التي عمّت بلاد العرب، والحقيقة أنّي لم أحرِ ردًّا واضحًا على ذلك لا لأنّي لا أعرف، بل لأنّي لا أريد أن أتعجّل وأتحمّس، فيكون الكلام أشبه بشعر المناسبة، ذلك الذي نغّمه العرب وعزفوه طويلا.

قد يبدو هذا القول عدوانيّا بحقّ الشّعوب، ومجحفًا في صدد النظر في بعدها العربيّ والإسلاميّ والديموقراطيّ.. وكلّ يغنّي هذا الموّال على ليلاه، أمّا أنا فلا زلت أقف موقف المتفرّج، لا يحرّكني للكتابة إلا داعٍ واحد، هو داعي الطّفولة التي تردم أحلامها الصغيرة حلم المستقبل.

تهزني وتعنّفني صرخات الطّفولة التي تقتل في كلّ ثورة عربيّة، إيمانًا وتقديسا وتمجيدا وعبوديّة  للسياسة.. سمّوا ذلك كفرًا، وسأسمّيه واقًعا مقهورًا أمام الاصطلاح!

لقد استماتت الشعوب العربيّة تطمح بالخلاص! ولتحيا لذلك الروح التي شبّت فيهم.. ولا تحيا تلك النزعة التافهة التي خلقت للخلاص معانٍ أطّرتها بحزبيّة سخيفة ساذجة، ودفعت مقابل كلّ إطار آلافا من “الطفولة”. فلتسقط جميع الثورات التي تبني مجدها على أنقاض الطفولة.

لا، ولا، ولم، ولن أومن بصراع بين قوتين يشرد طفلا، ويجوع آخر، ويعرّي ثالثًا، ويحفّي رابعا، وييتّم خامسا ويقتل ألفًا ويدفن مليونًا ويهتك ببليون نفسٍ من الأنفس التي يفترض لها أن تحمل الثّورة على أكتافها، وتسمو بها فكرًا ومعنى.. نحن في زمن المعرفة، ولا زالت نزعاتنا البشريّة تحطّم الفكر وتحرقه.. باسم الثورات.. فلتسقط الثورات كلها ما دام يعنيها أن تكون على رأس الهرم بثالوثها المقدّس، وفي قعر قعر هذه الهرميّة تدنّس حرمة الطفولة!

سبب غضبي؟

أنّي الآن أمّ! والأمومة تساوي الطفولة في قداستها.. فلنحترم إنسانيّتنا قبل أن نحترم تاريخنا، ونمجّد ثورات حاضرنا، ونسلّف لجروحٍ وحروبٍ أخرى تقتلنا..

ربّما في الماضي كنّا نتشجّع لأيّ مقاومة عسكريّة توحي بالحريّة، وكأنّ الحريّة تحتاج إلى كفّ الحديد لتحيا! ستحيا ولو في عقر دار المعتدي، دون عنف، ولو اضطر أن يدفع ثمنها الكبار لعاش الصغار يحملونها ويلوحون فيها عاليًا ربّما فوق السّحاب!

ربّما في الماضي كنّا نلحظ الموت مجدًا وشهادة! وطوبى للشهداء.. الذين ماتوا ليجعلوا أطفالهم أحياء! وقبح الله كلّ وجه وقلب وعقل سألته نفسه أن يجعل لحم طفلٍ جسدًا لعودته وثورته وخلاصه.. وتبّا للثّورات والحكومات والسياسات.. ما دامت ستحرق قلب أم على ابنها، وستجعلني أبكي كلّما مرّ مشهد أمامي لطفل يبكي، وأمّ ترثي.. ويلا للعروبة التي مجّدتها كتابات مدوّنينا وويلا لحملة الدين الذين قال الله في أمثالهم {أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب أفلا تعقلون} .. الذين يفضّلون الموت للطّفولة من أجل مقعد اتسخ وتلف يوم خُلِق!

حيلة شرقيّة

بسم الله الرحمن الرحيم

1698372-601402163dfe0179

أسمر شرقيّ حديث. سلّم صغير بجانبه، وسحابة صيفٍ عابرة تعلق في أهدابه. تراه شقراء تجلس في حجرة مقعرة، حولها ثعبان من نار. تشرف على استدراجه.. تحرق أوّل درجات سلّمه، فتنطلي عليها خدعة قطرات المياه!

بسم الله الرحمن الرحيم

المعلّم “صابر” في غرفة المعلمين

ينثر دخانا يزعج المعلمة “راوية” التي تتذمّر قاطبة وتقول: الدخان في الأماكن العامة ممنوع.. ممنوع!!

يحدجها بطرف عينه اليمنى، ويثير ردّا كثيفا من دخان ..ويملؤها!!

يملؤها كلّها!! دون أن يترك فيها زاوية فارغة منه!! من دخانه الأعمى.

يطيل صابر النظر أمامه. كثبان الدّخان سلاطين تقدّم لها العيون قرابين دموع مسلسلة.. أو تراه يتخيّل! أيعقل أنّ قصص السندباد الصغيرة قد بدأت تلوّن صور الحياة عنده؟! أهي الطفولة!؟

لا! إنه الدّخان.

إنه كذلك حقبة من زمن مضى، “مماليك” ضخمة تحوم فيه!! تطير أحوالها حوله.. تثير في أنفه رائحة اللغة العربيّة ولكن دون حروف هجائيّة!ويسطر على راحة يده تاريخ الشرق الأوسط! يسطرها في حدود العلامات التي تركتها المسطرة على كفته!

ولا زالت المعلّمة راوية تقول: ممنوع!

ما الممنوع بربك!؟! أصلا هل لديكِ قدرة على تحويل الدّخان زمنا؟! أم تراكِ تستطيعين لكنك من درعِ “المعارضة”! يقول صابر “للمعتوهة” دون أن ينطق! ويجاري الموقف بابتسامة تضيع ملامحها بين الدّخان!!

 

سرّ الشّاي

بسم الله الرّحمن الرّحيم

“إذَا فرغت مِن عملك.. تعال وانظر

في كأس الشّاي ألم عجيب.. لأوّل مرّة ألاحظ أنّ الشّاي “يتنهّد”

تلفّت إليها أنظر في عينيها لأتبيّن منها سرّ الكأس.. ولكنّي دهشت

إنّها امرأة دون عينين!!

عجيب! هذه المرأة التي عملتُ معها دهرًا في تنظيم الكلمات.. ترى ما لا ترى! وتقول ما لا يُقال!

عجبًا.. هل ضاعت مرائيها؟ أم تراني أنا الذي عميت!؟

ولكنّي أرى الكأس.. وأسمع صوت الشّاي!؟

الأمور عندي تنقلب.. حواسي تختلط وتتبعثر ..

ترتعد المرأة.. تدير رأسها إلى ناحيتي وتسألني: “أرأيت؟”

نعم رأيت.. رأيت..

تسألني: “هل تعلم كيف نرى الشاي متألما؟”

تسألني وتسأل بعد: لماذا تنظر إليّ وتتجاهل الشّاي؟ تعال اقترب.. إن تتذوّقه سترى أسواره تحرقك!!

شاي وأسوار.. وأسرار!! وامرأة “أعرفها منذ زمن”- لكن دون عينين!

اقتربت إليها .. رفعت ملامحي كلها، وتنفست بصعوبة.. في خاطري أمر واحد سأقدِم عليه.. يبدّدني خوفًا.. ولكني سأجمّع ما تبقّى من إرادتي.. وأمسك أطراف أصابعي.. ثمّ ألتقط عينيها من أوداجها!! سأنزعهما لتعود فترى.. ويعود الشاي كما كان!!

ولكنها ترى!!!

هذه المرأة التي أعرفها.. ترى!! تراني بكليتي أقترب منها.. أكاد ألمس تقاسيمها، فتغيّرها جذلا وغبطة.. وتقدّم لي الشّاي!

ولكني لا أريد!!

لا أريد شايا أحمق يحرق أشيائي الداخليّة.. يغزو جميع تراكيبي.. وهذه المرأة الغريبة التي لا أريد أن أعرفها الآن.. تنتظر منّي أن أشاركها .. وأترك للذاكرة البشريّة بعدي سرّ الشّاي!

تابع

احصل على كل تدوينة جديدة تم توصيلها إلى علبة الوارد لديك.